أ.د.عثمان بن صالح العامر
قبل سنوات معدودة أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- أمرًا ملكيًا يقضي باعتماد يوم 22 فبراير من كل عام يومًا للتأسيس وإجازة رسمية، للاحتفاء بتأسيس الدولة السعودية، باسم «يوم التأسيس». وفي هذا القرار بيان للعمق التاريخي لهذا الكيان العظيم الشامخ المملكة العربية السعودية. إذ تذكر المصادر التاريخية أن 22 فبراير 1727م الذي يوافق 30 جمادى الأولى من عام 1139هـ شهد تولي الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- الحكم في الدرعية الذي هو بمثابة بداية التأسيس للدولة السعودية التي نعيش نحن مرحلتها الثالثة ولله الحمد والفضل والمنّة. والاحتفاء بهذا اليوم المجيد في وطننا الغالي المملكة العربية السعودية هو من باب الوفاء لكل رجل شارك في مرحلة التأسيس والبناء من أول يوم، وبذل نفسه رخيصة في سبيل ذلك، هذا الاختيار يؤرِّخ لهذه الدولة ميلادها الحقيقي منذ تولي الإمام محمد بن سعود حكم الدرعية -رحمه الله- ويثبت التضحيات التي بُذلت منذ الأيام الأولى للإمام ومَن معه من الرجال في سبيل إقامة الدولة السعودية الأولى والمحافظة عليها قويةً راسخةَ الأركان في ظل تحديات وصعوبات عدة، ذكرها المؤرِّخون وسجَّلوا أحداثها بدقة وبيان.
لقد قال خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز عن هذه المناسبة العزيزة على القلوب: (نعتزّ بذكرى تأسيس هذه الدولة المباركة في العام 1139هـ (1727م)، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم؛ أرست ركائز السلم والاستقرار وتحقيق العدل. وإن احتفاءنا بهذه الذكرى؛ هو احتفاءٌ بتاريخ دولة، وتلاحم شعب، والصمود أمام كل التحديات، والتطلع للمستقبل.. والحمد لله على كل النعم).
ويقول صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد الأمين رئيس مجلس الوزراء: (لدينا عمق تاريخي مهم جداً موغل بالقدم ويتلاقى مع الكثير من الحضارات.
الكثير يربط تاريخ جزيرة العرب بتاريخ قصير جداً، وبالعكس إننا أمة موغلة في القدم).
إن مما لا شك فيه أن للماضي أو «التاريخ» في حياتنا اليوم أهمية عظيمة، ذلك أن من يفهم التاريخ ويعرف أحداث ماضينا يكون أقدر على صياغة حاضرنا بكل أبعاده وبجميع مفاصله، ليس هذا فحسب بل يمكنه سبر أغوار الماضي صناعة المستقبل، لأن اليوم -كما قالوا- هو وليد الأمس، وجنين الغد، والمستقبل أياً كان المجال الذي نتحدث عنه وفيه يكاد يكون ملكاً لمن أدرك الماضي وفهم دلالاته وعبره، ووقف على السنن التي تحكم سيره، وتوجه أحداثه ووقائعه. ولا يجادل عاقل في أن تاريخ أي شعب من الشعوب يؤثر في بناء مستقبل الوطن كما يؤثر في حاضره وواقعه المعاش، فهو يشكل للأوطان قوة ارتباط، كما أنه مصدر وعي ويقظة. والمجتمعات أياً كانت لا تشعر بذاتها الثقافية وبشخصيتها الحضارية على الوجه الصحيح إلا إذا كان لها تاريخ ثقافي مجيد، وعمق حضاري خالد كما يذكر المفكر العربي الشهير ابن خلدون.
لقد سطر قادة بلادنا المملكة العربية السعودية سجلاً حافلاً بالأمجاد وصفحات مليئة بالمآثر وحق هذا وذاك أن ينغرس في ذهنية الجيل ليس مجرد دروس عابرة ولكن مكوناً أساساً في الشخصية السعودية، ومرتكزاً مهماً في بنائنا الحضاري ومقوماً رئيس لتنميتنا المستدامة التي بها نصنع الحاضر ونستشرف الغد وفق رؤية سعودية واعدة 2030 صيغت لنكون في مصاف دول العالم الأول رغم كل التحديات (الطبيعي منها والمفتعل)، وهذا الهدف العزيز تقع مسئولية تحقيقه على عاتق مؤسسة التنشئة الاجتماعية جميعا بلا استثناء فالوطن قادته ومبادئه وقيمه وأمنه ومستقبله وإنسانه أعز ما نملك، ومن أجل هذه المنظومة الوطنية الغالية لدى كل مواطن مخلص يجب أن تتكاتف الجهود، وتبذل الطاقات وتتحفز الهمم ونتذكر في يوم الوطن ماذا قدم الماضون ونحن على أثرهم سائرون وخلف خطاهم متبعون، حفظ الله هذا الكيان وأمد في عمره، وحفظ لنا قادتنا ورموزنا الوطنية ودمت عزيزاً يا وطني وإلى لقاء والسلام.