خالد محمد الدوس
وُلد عالم الاجتماع الحديث (مارك غرانوفيتر) عام 1943 في ولاية جيرسي سيتي بالولايات المتحدة الأمريكية، وبعد أن أنهى تعليمه العام التحق بجامعة برينستون ونال البكالوريوس في التاريخ عام 1965 ثم واصل تعليمه العالي متجهاً لميدان علم الاجتماع برغبة قوية وشغفاً كبيراً.. حتى نال شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من أعرق الجامعات الأمريكية (جامعة هارفارد) عام 1970، وبعد حصوله على الدكتوراه التحق بالعمل الأكاديمي.. وعلى وجه التحديد (جامعة هارفارد) ثم جامعة جونز هو بكنز، قبل أن يستقر في جامعة ستانفورد عام 1995، ويعد العالم مارك غرانوفيتر عالم اجتماع بارزاً ومؤسساً لفرع علم الاجتماع الاقتصادي الجديد العلم الخصب الذي يدرس، الظواهر الاقتصادية (الإنتاج – الاستهلاك - التبادل) من منظور اجتماعي محللاً إياّها كعمليات متأصلة في العلاقات، الثقافة، المؤسسات الاجتماعية، وليس كأنشطة معزولة، كما يفترض علم الاقتصاد التقليدي. يركز هذا الحقل على دور الشبكات الاجتماعية، السلطة، والثقافة في تشكيل السلوك الاقتصادي.
من أبرز إسهاماته العلمية ومنجزاته البحثية كتابه الصادر عام 1974 بعنوان: (الحصول على وظيفة) وهو كتاب يتحدث عن العلاقات والمسارات المهنية وغيرها من الكتب والمؤلفات في مجالات الشبكات الاجتماعية والنظرية الاجتماعية والعمل الجماعي وعلم الاجتماع الاقتصادي، وهو أيضاً صاحب أكثر ثلاث أوراق بحثية استشهاداً في علم الاجتماع، وهي: قوة الروابط الضعيفة (1973)، والفعل الاقتصادي، والبنية الاجتماعية (1985)، ونشر اثنتان منها في المجلة الأمريكية لعلم الاجتماع، كما نشرت جامعة هارفارد العريقة التي قاربت القرن الرابع من عمرها التأسيسي كتابه (المجتمع والاقتصاد): إطار ومبادئ. ثم الطبعة الثانية بعنوان المجتمع والاقتصاد: حالات وتطبيقات. اهتماماته بعلم الاجتماع لاشك تشكلت منذ دراسته الجامعية للتاريخ خاصة أن التاريخ يرتبط بعلم الاجتماع ارتباطاً عضوياً عميقاً وإذا كان علم الاجتماع هو علم المجتمع الحالي الذي يحلل أنساقه وعلاقاته، فإن التاريخ هو ذاكرة المجتمع التي توفر المادة الخام والسياق لهذا التحليل وبالتالي العلاقة بينهما، وبحسب العالم الأمريكي غرانوفيتر علاقة تكاملية، ومن هذا المنطلق أبدى اهتماماً بالغاً بكيفية تراكم التفاعلات الفردية والصغيرة لتشكل أنماطاً مجتمعية أوسع، وكيف تؤثر هذه الأنماط.
بدورها على النطاق الأصغر وبالتالي قاده منهجه الأول في معالجة هذه التساؤلات إلى تحليل الشبكات الاجتماعية، حيث بيّن كيف أن الروابط الضعيفة بدلاً من الروابط القوية تربط بين مجموعات مختلفة قد تكون منفصله لولاها، ناقلة بذلك معلومات للأفراد حول الوظائف والشائعات والاكتشافات التي قد يجهلونها، ثم تناول نماذج السلوك الاجتماعي التي قد تؤدي اختلافات طفيفة في توزيع عتبات الأفراد لاتخاذ القرارات إلى اختلافات هائلة في النتائج الجماعية.
من هنا أصبحت نظرية الروابط الضعيفة ورغم مرور 50 سنة قوة ومفهوماً أساسياً في علم الاجتماع ويتم تدريسها في العديد من الدورات. ولذلك يعتبر العالم مارك أستاذاً بارزاً في جامعة ستانفورد وشخصية محورية في علم الاجتماع المعاصر، وقد أحدثت أعماله ثورة في مجالين رئيسيين: نظرية الشبكات الاجتماعية، وعلم الاجتماع الاقتصادي الذي ولد ولادة طبيعية من رحم أعماله وإسهاماته العلمية الغنية التي تعد من بين الأكثر استشهاداً في تاريخ العلوم الاجتماعية، ولذلك كان تنقل هذا العالم بين عدة جامعات مرموقة في الولايات المتحدة الأمريكية مثل جامعة جونز هوبكنز، وجامعة هارفارد، وجامعة ستوني بروك، وجامعة نورث وسترن.. قبل أن يستقر في الجامعة المخضرمة (ستانفورد).. سبباً جعل منه «جسراً معرفيا» يربط بين التقاليد البحثية المختلفة في هذه الجامعات العريقة، فكل محطة جديدة أضافت له خبرات مختلفة وأتاحت له فرصاً لتطبيق نظرياته في سياقات جديدة؛ مما ساهم في نضج أفكاره مثل نظرية «الاندماج».. والأكيد أن تأثير هذه التنقلات لم يكن فردياً بل تراكمياً، ووجوده في عدة جامعات مرموقة ساهم بطبيعة الحال في تخريج طلاب مؤثرين الذين أصبحوا فيما بعد قيادات في هذا الميدان مثل العالم الاجتماعي «جيمس إيفانز» الذي واصل تطوير نظرياته، هذا فضلاً عن تفاعله السوسيولوجي مع كبار العلماء والمفكرين والفلاسفة في كل جامعة؛ مما ساعده في بلورة أفكاره حول الكثير من أبحاثه ونظرياته.. ولاسيما نظرية «قوة الروابط الضعيفة». بالإضافة إلى نشر وتوطين حقل علم الاجتماع الاقتصادي الجديد، وبالتالي تأسيس مدرسة فكرية جديدة في ميدان علم الاجتماع. ولذلك يعد (مارك غرانوفيتر) شخصية استثنائية في الفكر الاجتماعي الأمريكي لم يقتصر دوره على علم الاجتماع فقط بل امتد إلى مجالات الإدارة والتنظيم والاقتصاد وحتى علوم الحاسوب، حيث استخدمت مخططات غرانوفيتر في مجال أمن الحاسوب من خلال التركيز على قوة الشبكات الاجتماعية والروابط غير المتوقعة بين الأفراد، قدّم فهماً أعمق لكيفية عمل العالم الحقيقي مجادلاً بأن البنية الاجتماعية ليست مجرد خلفية بل هي القوة المحركة الرئيسية وراء الأفعال الاقتصادية والنتائج المجتمعية.