أ.د.عثمان بن صالح العامر
برعاية كريمة من لدن مقام مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- افتتح معالي وزير الإعلام الأستاذ سلمان بن يوسف الدوسري، أعمال النسخة الخامسة من المنتدى السعودي للإعلام 2026، الاثنين الماضي 2/ 2/ 2026م، في فندق هيلتون بالرياض، تحت شعار «الإعلام في عالم يتشكل».
ومما قاله صاحب المعالي في ثنايا كلمته الرائعة، ما نصه: (نعيش اليوم في عالمٍ يتصارع فيه المال والقيمة، وفي كثير من النماذج الإعلامية المعاصرة أصبح اقتصاد الانتباه هو المتحكم، وأصبحت الخوارزميات تُكافئ الإثارة، وتُعاقب الإثراء، وأصبح قياس النجاح بحجم الانتشار، لا بعمق الأثر، وفي هذا السياق، يُصبح السؤال الأخلاقي سؤالًا وجوديًا: ماذا يحدث حين ينفصل الإعلام عن القيمة؟ وحين يتحول الإنسان من غاية إلى وسيلة؟ وهنا يتجلى الاختلاف الجوهري في الرؤية السعودية، فالمملكة تؤكد دومًا أن القِيَم في الإعلام ليست إضافة تجميلية، ولا خطابًا دعائيًا، بل بنية عميقة تحكم السياسات، وتوجّه القرارات، وتضبط العلاقة بين التقنية والإنسان).
نعم، لم تعد الحرب اليوم بين الدول والأيديولوجيات والجماعات البشرية كما كانت في السابق سيف ورمح، خيل وجمال، بل وحتى طائرات ومدرعات، جيوش جرارة تعبر الفيافي والمحيطات وتنتقل من أرض لأخرى، بل صارت أكثر تقدماً ونعومة، وأسهل وصولاً للخصم وأعظم أثراً فيه، تقتل وتفتك مادياً ومعنوياً، تؤثر وتهزم بسهولة ويسر، وكأن المقاتل جالس يمارس لعبة «البلاستيشن» في بيته ومع زوجته وأولاده «ريموت كنترول»..
وكما تقدمت تقنيات ووسائل الحرب العسكرية تنوعت وتعددت أساليب الحروب وميادينها، فمن حرب العصابات والشوارع إلى حرب المياه والغذاء والدواء، ومن الحروب العقائدية إلى صراع النخب وصدام الحضارات، والتحولات الثقافية..
والحرب الإعلامية التي يراد منها أن تؤثر على النفسية وتشوه السمعة وتكسب الطرف الموظف لها ود القوى الخارجية هي -في قاموس الساسة والعسكريين والإستراتيجيين وأهل الاختصاص- لون قديم جديد «متجدد» من ألوان الحروب ذات الأثر السريع والفعال، وأشد منها في عالمنا المعاصر(حرب القيم) تلك الحرب التي يراد منها أن تطمس الهوية وتذيب الشخصية وتزعزع أركان المجتمع حتى تأتي عليه من القواعد.
ولقد عانت بلاد الحرمين الشريفين المملكة العربية السعودية من هذا النوع من الحروب ومازالت، بل هي - أعني حرب القيم - اليوم أشد مما سبق، في ظل التطور التقني الخطير، ويأتي هذا المنتدي ليؤكد على أن إعلامنا المتطور والمتجدد في وسائله ومحتواه كان وما زال وسيظل متمسكاً بقيمه الوطنية المنبثقة عن مرجعيته الشرعية، فهي حصنه الحصين الذي يحتمي به في مواجهة سيل التغريب الثقافي الذي يهب علينا من كل حدب وصوب، وما المبادرات التي أعلن عنها معاليه في هذه المناسبة، وما وثيقة (مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام) التي هي بشراكة وزارة الإعلام مع «سدايا»، إلا دليل واضح على عظم الرسالة التي أراد المنتدى إبانتها لمنطومة العمل الإعلامي السعودي الحكومي والخاص على حد سواء، والتي يجب أن يستشعر إعلاميو الوطن أنها مسئوليتهم المباشرة إزاء المجتمع، وهذا ما أكد عليه معاليه في ختام كلمته حين شدد على المسؤولية الحتمية للإعلام تجاه النشء، مذكراً بأن (حماية الأجيال القادمة في العصر الرقمي لا تتحقق بالمنع، ولا بالعزل، بل بتهيئة بيئات إعلامية واعية، تسودُ فيها الأخلاقُ والقِيَم بما يحفظ التوازن النفسي والمعرفي، ويُقدَّم فيها المحتوى بوصفه أداة بناء للإدراك لا سلعة للاستهلاك، فالهدف من تحصين الأبناء - في نظر معاليه - هو إعدادهم للتفاعل مع العالم بثقة دون أن يفقدوا هويتهم أو تضيع بوصلتُهم القِيَميّة)، كلام يكتب بماء الذهب، شكراً صاحب المعالي، والشكر موصول لكل إعلامي سواء كان كاتبا أو مغرداً أو سنابياً أو صانع محتوى أو ممثلاً أو ... أدرك البعد العميق لما تضمنته كلمة معالي الوزير وجعلها بين عينه خارطة طريق له ولها، ليكون بصنيعه هذا جند من جنود الوطن الذين يذودون عن هويته من خلال حماية ركائزه الأساس، والتي من بينها (القيم والأخلاق المتولدة عن شريعتنا السمحة)، دمتم بخير، ودام عزك يا وطن.. وإلى لقاء والسلام.