د.زيد محمد الرماني
إن المقصود بكتاب (مبادئ علم الاجتماع الاقتصادي) لمؤلفه ريتشارد سويدبرج أن يكون مقدمة عامة في علم الاجتماع الاقتصادي؛ ويشكل هذا الأخير حقلاً جديدًا، نسبياً، في مجال العلوم الاجتماعية تتنامى أهميته سريعًا. ولذا، فهو يمثل أي علم الاجتماع الاقتصادي أنموذجا واعدًا في التحليل، في هذه الحال، فقد تطور خلال السنوات الماضية وأصبح، أيضًا أحد فروع المعرفة المنافسة في تحليل الظواهر الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين جنبًا إلى جنب مع الاقتصاد النيوكلاسيكي، ونظرية الألعاب وعلم الاقتصاد السلوكي.
ويمكن تعريف علم الاجتماع الاقتصادي، على نحو موجز، بأنه تطبيق التقاليد السوسيولوجية على الظواهر الاقتصادية في محاولة لتفسير هذه الأخيرة. ويشترك علم الاجتماع الاقتصادي مع علم الاقتصاد في معظم اهتماماته وأهدافه، ومع ذلك، يختلف علم الاجتماع الاقتصادي، بشكل حاد، في أحد مقاصده عن علم الاقتصاد المتعارف عليه، ويعزى ذلك إلى تركيزه المباشر والقوي على الدور الذي تضطلع به العلاقات الاجتماعية والمؤسسات الاجتماعية في الاقتصاد.
إن العيش في مجتمع، أمر يعني أن نكون على صلة بالآخرين وأن نشارك في مؤسسات هذا المجتمع - وهذا من شأنه أن يؤثر عميقًا في الأفعال الاقتصادية العائدة إلى الفاعلين الاقتصاديين. ومن شأنه كذلك أن يؤثر في طريقة تحول تلك الأفعال فرديًا وفي الإجمال إن أنماط التفاعل الاجتماعي والمؤسسات التي يبتكرها الناس ويستخدمونها في محاولاتهم لكسب رزقهم وأرباحهم، هي ما تشكل مجال الموضوع الرئيس لعلم الاجتماع الاقتصادي.
يقول سويدبرج: إن الهدفين الرئيسين من تأليف هذا الكتاب يتمثلان في إدخال منظور جديد إلى علم الاجتماع الاقتصادي، إضافةً إلى بسط مفاهيمه الأساسية، وأفكاره، واستنتاجاته.
إن المنظور الجديد الذي رغب سويدبرج في تقديمه، يركز على نطاق هذا المجال المعرفي: إذ ينبغي في علم الاجتماع الاقتصادي ألا يكون اهتمامه محصورا في تأثير العلاقات الاجتماعية على الأفعال الاقتصادية، الذي هو محل عنايته الرئيسة الآن، ولكن أن يجعل المصالح محل عنايته أيضًا، وأن يسعى بشكل أعم إلى تثبيت التحليل عند مستوى المصلحة، على غرار ما فعل ماكس فيبر في كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية.
ثم يؤكد سويدبرج: إن المقاربة التي أدعو إليها في هذا الكتاب، يمكن وصفها بأنها محاولة لجعل ذلك التحليل متمحوراً حول مفهوم سوسيولوجي للمصلحة. ولتقديم إيضاح في عجالة لما أعنيه بالمفهوم السوسيولوجي للمصلحة، سأحيل إلى ماكس فيبر، حيث ستكون الإحالة إلى فقرة شهيرة عنده، والتي يستخدم فيها المجاز المتعلق بالفعل البشري الجاري في مسارات مختلفة، حتى ولو كانت تهتدي بوحي الدوافع ذاتها. ولمزيد من الدقة، تتمثل حجة فيبر في أن المصالح تحرك أفعال الناس، غير أن طريقة نظر الفاعلين إلى العالم بما في ذلك طريقة نظرهم إلى مصالحهم الخاصة هي التي سوف تحدد أي الاتجاهات العامة ستتخذها تلك الأفعال. تقول الفقرة المشار إليها ما يأتي: إن المصالح المادية والمثالية هي التي تتحكم في سلوك الناس مباشرة، الصور الذهنية للعالم وليس الأفكار، ومع ذلك، ففي كثير من الأحيان تعمل على تحديد المسارات التي كانت دينامية المصلحة، الأفكار والتي ابتدعتها تدفع الفعل إلى سلوكها.
ويقول سويدبرج: ثمة مقترحات أخرى حيال كيفية المضي، في هذا السياق، يمكن العثور عليها في مؤلفات ألكسيس دو توكفيل، وجيمس كولمن، وبيار بورديو، وغيرهم كثر. وعلى نحو أكثر عمومية، فإن الفكرة التي تفيد بأنه يجدر بالمصالح أن تكون محورية في تفسير السلوك الاجتماعي، فكرة جرى مناقشتها زمنًا طويلًا من مفكرين من أمثال ديفيد هيوم، وآدم سميث، وجون ستيوارت مِل. ووفقًا لتحليلات هؤلاء، ثمة أنواع مختلفة من المصالح فهي لا تقتصر على المصالح الاقتصادية.
إن ما عمل به هؤلاء المفكرون إنما هو نوع مرن وقوي من أنواع تحليل المصلحة، والذي قد يكون الوقت قد آن لإحيائه واستخدامه من جديد.