د.زيد محمد الرماني
تقوم سيكولوجية بعض الأفراد على النظر إلى الديون بوصفها سلوكاً عادياً إيجابياً لا يشعرون من خلاله بالخجل أو القلق، فيقومون بالاستدانة في كل وقت وحين، سواء تعرضوا لضغوط مالية أو لم يتعرضوا، غير مبالين بمتى وكيف يستطيعون سداد الدَيْن ورد حقوق الدائنين، حتى إنهم قد يتعجبون عند مطالبة الآخرين لهم بسداد الدَّيْن.
وقد يبالغ الفرد في سلوك الدَّيْن بسبب الشعور بالإحباط المادي الذي لا يقوى على تحمله أو مواجهة آثاره النفسية والاقتصادية والاجتماعية وعدم قدرته على إدارة الضغوط المالية التي يتعرض لها. مما يدفعه إلى سلوك الدَّيْن الذي يرى أنه يحقق له وظيفتين أساسيتين: القضاء على الشعور بالحرمان فيلبي للفرد بعض حاجاته المادية، والمساعدة على الابتعاد عن المصدر الأساس للإحباط من خلال التفكير في كيفية سداد الدَّيْن.
عادة ما يقع الفرد ضحية للديون عندما يكون مدفوعاً بصورة مبالغ فيها لشراء الأشياء والرغبة في تملك كل شيء، سواء كانت هذه الأشياء ضرورية أو غير ضرورية، يحتاج إليها أو لا يحتاج، تناسب إمكاناته المادية أم تعوق هذه الإمكانات. فهم أفراد مهووسون بالشراء ويعانون من جنون التسوق، كلما اشتهى الفرد منهم شيئاً اشتراه بماله أو مال غيره، المهم أنه اشتراه. وبطبيعة الحال يدفع هذا الهوس الفرد إلى استدانة كثير من المال.
والمهووسون بالشراء، إذ يشترون اليوم أشياء لا يحتاجون إليها، سوف يضطرون غدا -تحت وطأة الديون- إلى بيع أشياء قد يكونون في أشد الحاجة إليها.
وأحياناً ما يستدين الفرد من أجل المسايرة الاجتماعية مع الأصدقاء والأقران والمحيطين به، خاصة إذا كان الفرد من طبقة اجتماعية واقتصادية أقل من الطبقة التي ينتمي إليها أصدقاؤه وأقرانه. فسلوك الدين يحقق للفرد مطلبين أساسيين: القضاء على الشعور بالنقص والدونية، والحفاظ على عضوية الفرد في الجماعة.
وعادة ما يكثر سلوك الدين بدافع من المسايرة الاجتماعية في الفترة من بداية المراهقة وحتى بداية مرحلة الرشد، ويندر أن نجده في مرحلة الرشد كنتيجة للمسايرة الاجتماعية. فهو في هذه المرحلة يكون مدفوعاً بأسباب أخرى بعيدة من المسايرة الاجتماعية وتتصل مباشرة بأسباب اقتصادية ومالية لمواجهة الأزمات أو تدبير المصاريف اليومية في أوقات الشدة.
وقد وجد دافيس ولي- العام 1995 في دراسة لهما بعنوان: (اتجاهات الطلاب نحو الديون) أن الديون تكثر في الطبقات الفقيرة ذات الدخل المنخفض، خصوصاً إذا كانت الاتجاهات النفسية نحو الديون اتجاهات إيجابية لا يشعر معها الفرد بالقلق أو النقص والعجز. وأوضحت الدراسة أيضاً أن سلوك الدين يرتبط بالعمر، وأن اتجاهات الفرد نحو هذا السلوك تتغيَّر وفق المرحلة العمرية التي يمر بها. ففي مرحلة الطفولة ينعدم سلوك الدين تماماً حتى أن كثيراً من الأطفال لا يدركون معنى كلمة دين، لكن مع بداية مرحلة المراهقة يدرك الفرد معنى الديون وقد يتعامل بها ويمر بخبرتها.
ويشير الباحثان إلى أن سلوك الديون يزداد في المرحلة الجامعية، وأننا إذا أردنا أن نفهم ديناميات سلوك الدين فيجب أن نطبقه وفق نظرية (دورة الحياة) والنظرية السلوكية وذلك في ما يتصل بتغيير الاتجاهات.
ويرى لونت وليفينغستون (العام 1991) في دراسة لهما بعنوان: (التفسيرات اليومية للديون الشخصية) أن وسائل الإعلام تمارس نوعاً من الضغط الإعلاني على سلوك المستهلكين فتدفعهم إلى كثرة الشراء وتغريهم بامتلاك الأشياء عندما يعتقدون أن كل شيء وكل سلعة أصبحت من الضروريات الأساسية في حياتهم اليومية، فيضطرون تحت ضغط الحاجة والإغراء إلى الديون لتلبية حاجاتهم.
وفي دراسة أخرى أجراها أيضاً لونت وليفينغستون (العام 1991)، تحت عنوان: (المحددات النفسية والاجتماعية والاقتصادية لسلوك الادخار) أوضحا أن نقص القدرة على التحكم والإهمال وعدن قدرة الفرد على الادخار هو ما يزيد من سلوك الدين، كذلك فإن جهل الفرد بمعرفة أسباب ديونه هو ما يزيد من هذا السلوك.
إذن: سلوك الدَّيْن هو مظهر من مظاهر الضعف المالي وقلة انعدام الدخل والهبوط والاستسلام لضغط الحاجة، وهو سلوك كثيراً ما يؤدي صاحبه إلى العنت والإرهاق.
وبطبيعة الحال لا يستطيع الفرد أن يوطِّن ذاته على تحمل الديون وقبولها أو حتى الرضا عنها والسكوت عليها.