د. ناهد باشطح
فاصلة:
«السخرية هي ذرة الملح التي تجعل ما يقدم إلينا مستساغا» - غوتة -
ما الذي يجعل خبراً قديماً نُشر في حساب للنكات اللبنانية عام 2014 يعود للتداول مؤخراً في منصة «اكس» وعبر مجموعات «واتس أب»؟
لقطة الشاشة المنتشرة تقول: (ضبط خادمة أثيوبية في مطار #بيروت بحوزتها عدد كبير من فواتير الكهرباء.. وبعد التحقيق معها لمعرفة السبب أفادت بأنها كانت تستلمها من كفيلها كل شهر ولمدة سنتين بعد أن اقنعها أنها شيكات تستطيع أن تصرفها في بلادها. كم أنت كبير أيها #اللبناني حتى إبليس ما سواها)
عند البحث والحصول على أصل المصدر كان الخبر مكتوبا بنفس الصياغة بدون رمز الهاشتاق في الموقع المذكور وقد كتبت الجملة الختامية (كم أنت كبير أيها اللبناني.. حتى إبليس ما سواها) باللون الأحمر
أما لماذا أعيد نشر الخبر القديم فلأن لديه قدرة للبعث من جديد حيث توفرت منصة سهلة الانتشار، سياق اجتماعي متوتر، وقابلية للتصديق العاطفي.
وأما استخدام اللون الأحمر فهو يؤدي «وظيفة درامية» مقصودة، ليست وظيفة خبرية، وفي منشورات السخرية يُستخدم الأحمر لتحديد ختام النكتة، وهي اللقطة التي يريدون للقارئ أن يخرج بها ويشاركها الآخرون لإثارة الانفعال السريع
ثم إن الأحمر بصريًا يرفع احتمالية توقف القارئ للتعليق من ثم التدوير، وهذا تكنيك تصميمي لجعل السخرية قابلة للانتشار
هذا الخبر يسمى «Mock News» بمعنى إيجاد نص أو صورة تُكتب بأسلوب «خبر» أو «تصريح» لكنها في الحقيقة هدفها الضحك أو النقد الاجتماعي، وليست نقل واقعة موثّقة.
لذلك من المهم اليوم الوعي بتفنيد الأخبار فاذا كان النص يشبه الخبر لكنه بلا مصدر صحافي معروف ولا تفاصيل قابلة للتحقق، وغالبا فيه مبالغة أو خاتمة ساخرة فلابد من التعامل معه كمحاكاة خبرية بمعنى نص يقلد الخبر للسخرية والمحاكاة الساخرة أحد أنواع الأخبار الكاذبة
ثم إن غياب التفاصيل الخبرية حيث لا أسماء، لا تواريخ دقيقة داخل الخبر، لا جهة رسمية والتركيز على الصدمة لا المعلومة الهدف منها إثارة انفعال أكثر من الأخبار.
لذلك نجد أننا حين نقرأ مثل هذه الاخبار يتحول السؤال من «هل حدث؟» إلى «كيف تجرأوا؟»
بالإضافة إلى أنه حين تفكيك محتوى الخبر نجد أن العاملة قالت إن الكفيل أعطاها فواتير كهرباء على أنها «شيكات رواتبها» وهذا ادعاء نُسب للعاملة ولا يثبت أن الكفيل فعل ذلك فعلًا، وهذا يعني صحافيًا أن القصة منقولة بصيغة ادعاء، وليست حقيقة قضائية.
ولأن الخبر يكشف عن ظلم واضح ومهين (خداع بالأجور) فإنه يثير غضبًا وتعاطفًا وبالتالي اهتماما وإعادة للنشر
ليست كل قصة تنتشر حقيقة، الأخبار تُبنى على مصادر قابلة للتحقق، أما الشائعات فتُبنى على انفعالات قابلة للمشاركة.
وكلما تعلّم القارئ أن يسأل: من قال؟ وأين الدليل؟ تضاءلت مساحة التضليل في حياته.
لهذا، فان معركتنا مع الأخبار الكاذبة هي معركة وعي، ومحاولة جادة لإعادة الهيبة للمصدر، وللتحقق قبل الحكم.
فالتضليل لا ينتصر لأنه قوي.. بل لأنه يجد جمهورًا لم يعد يسأل عن المصدر، وحين لا نتداول الأخبار إلا بعد التأكد من مصدرها نكون قد قطعنا نصف الطريق نحو مجتمع أقل قابلية للخداع.. وأكثر احترامًا للعقل.
المصادر:
الشيّاب، ناديا. (2022). التضليل في أخبار السخرية و«الميمز». شبكة الصحافيين الدوليين (ijnet).