أ.د.صالح معيض الغامدي
قرأتْ السيرة الذاتية الجميلة التي كتبها الزميل والصديق الدكتور سعود الرحيلي بعنوان «من بيت الشَّعر إلى دترويت: سيرة ذاتية»، وهي -كما ذكرت في تغريدة لي قبل مدة- «سيرة ذاتية قصيرة الطول نسبياً، ولكنها عظيمة المتعة والفائدة، جريئة.. فيها من الاعتراف والبوح قدر غير قليل وغير معتاد في كثير من السير الذاتية السعودية. كُتبت بأسلوب استرجاعي رشيق يجمع بين السهولة والبراعة والعمق، وبخاصة في تأمل كثير من أحداث حياته وتفسيرها. لم يصوِّر نفسه ملاكاً ولا شيطاناً، بل ظهر في سيرته إنساناً بكل معنى الكلمة، يضعف أحياناً ويقوى أحياناً أخرى، يخفق تارة وينجح تارات أخرى».
وقد اتسمت هذه السيرة بمجموعة من السمات الرصينة التي قلَّما تجتمع في سيرة ذاتية واحدة بهذا الشكل الجذاب الماتع، مثل الصراحة والاعتراف، وتماسك البناء، وعذوبة الأسلوب، وتفادي الحشو والاستطرادات المملة، وسريان روح الدعابة ...، ولعلي أشير في هذا المقال إلى بعضها باختصار، داعياً المهتمين بالسيرة الذاتية من القراء والدارسين والدارسات إلى الاهتمام بقراءة هذه السيرة السعودية الجميلة التي تشكل في نظري نموذجا جيدا وناجحا لكتابة السيرة الذاتية، والتي تثير أيضا مجموعة من القضايا المهمة المرتبطة بالسيرة الذاتية، أو بكتابة الذات عموما. ولم أرد في هذا المقال تلخيص هذه السيرة، فأي تلخيص لها يفسدها بالضرورة، وتركت ذلك للقراء ليستمتعوا بقراءة فصولها كاملة، وركزت على تبيان أبرز ملامحها الشكلية والمضمونية.
ولعل أبرز ملمح في هذه السيرة هو ملمح الصدق والصراحة، كما أشرت، الذي يؤطره الكاتب في المعادلة الصعبة التي يذكرها في مقدمة سيرته: « ومع أنني لا أستطيع أن أخون ذاكرتي بالتستر والإخفاء، فإنني أيضا لا أريد لهذا البوح أن يأتي في سياق السير الفضائحية؛ فلعلي في هذه السيرة أحقق شيئا من التوازن بين المتطلبين المتعارضين».
وأعتقد أن الكاتب قد نجح إلى حد كبير في تحقيق هذا التوازن، وقد مكنه ذلك من توظيف عدة استراتيجيات كتابية ومضمونية، لعل من أهمها الشجاعة في مواجهة الإخفاقات والسلبيات التي واجهته بكل أنواعها والتعامل معها بروح متسامحة، وبخاصة أنها كانت من نتاج الماضي من جهة، وأنه استطاع تجاوزها أو تجاوز كثير منها من جهة أخرى.
كما لجأ الكاتب إلى توظيف إستراتيجية «حذف» بعض أسماء الأشخاص أثناء الحديث عن بعض الذين استدعاهم في سرد تجاربه الحياتية، احتراما لهم لأنهم وردوا في سياقات ربما تكون غير إيجابية. يقول في أحد المواطن على سبيل المثال: « ولم أذكر بعض الأسماء متعمدا حتى لا يكون في ذكرها ما قد يسيء إلى أصحابها».
ومن الإستراتيجيات الأخرى التي وظَّفها الرحيلي الكتابة بشكل مكثَّف ومتماسك، فقد ابتعد عن الاستطرادات التي نجدها في بعض السير الذاتية التي تغرق نفسها في وصف المجتمع وقضاياه بالتفاصيل الكثيرة، ولم يورد منها إلا ما كان وثيق الصلة بتوضيح تجاربه الذاتية الخاصة وتأطير سياقاتها. وقد كان يلجأ إلى ما يشبه الأسلوب التلخيصي عندما يشير إلى قضايا العائلة والمجتمع الخارحي، فيجمعها أحياناً في مكان واحد ويسردها دفعة واحدة.
كما اعتمد الكاتب الأماكن التي أقام فيها ورحل إليها بوصفها بنية أساسية لسرد سيرته، في خطية تدرجية تاريخية (كرونولوجية)، تبدأ من الطفولة في بادية السدارة، مروراً بقرية المسيجيد، فالمدينة المنورة، فالرياض، فأمريكا، وانتهاءً بالرياض مرة أخرى ... ولم يلجأ إلى أسلوبي الاستباق والاسترجاع الداخلي إلا نادراً. ولذلك جاءت سيرته متماسكة وقصيرة الطول (143صفحة)، تُقرأ في وقت قصير نسبياً.
كما أن من الإستراتيجيات الأخرى التي وظَّفها الكاتب استعمال بعض العبارات أو المقاطع التعقيبية للأحداث التي تبين انتهاء تجربة حياتية معينة واستئناف أخرى، للاختصار وكذلك لتخفيف وقع بعض التجارب المتهورة قليلاً أو السلبية التي قد يُنتقد عليها، مثل قوله بعد وصف تجربة عاطفية قاسية مر بها مع فتاة أمريكية، قبل الزواج «وما ذكرته عن هذه التجربة المؤلمة إنما هو للاتعاظ وأخذ العبرة فحسب».
كذلك وظَّف الكاتب أيضاً إستراتيجية «القفز» على أحداث بعض مراحل حياته لعاديتها أو لقلتها، والتي ربما عدها هامشية لا تضيف شيئاً ذا بال إلى سرد تجربته الحياتية الكلية، وقد يكون العجز عن تذكرها هو السبب في هذا القفز. يقول في أحد المواطن على سبيل المثال: «لا أتذكر شيئاً ذا بال من تفاصيل الدراسة في السنتين الخامسة والسادسة غير واقعة واحدة ...».
كما أورد الكاتب بعض الأحداث الطريفة في أماكن متفرِّقة من سيرته قامت بإضفاء مسحة من الدعابة على سيرته، من شأنها أن ترسم الابتسامة على شفاه القراء، وتدفعهم إلى مواصلة قراءة السيرة والاستمتاع بها، مثل قصة الفوال الغشاش، وقصة الطالب الذي حضر المدرسة بشلحة بنت حمراء ...إلخ.
كما اهتم الرحيلي بالتفاصيل الحياتية الدقيقة الدالة التي كان من شأنها أن تضفي أبعاداً واقعية كثيرة على حياته ومعاناته الحياتية وبخاصة في أيام الطفولة في البادية التي عدها الكاتب مهمة وتكوينية، يقول «هذه التجارب التي أذكرها قد تبدو تافهة، ولكنها قد لا تخلو من دلالة على الرعب الذي انغرس في أعماق طفل خلال السنوات التكوينية الأولي من حياته، فلم أكن حتى الآن أتجاوز الخامسة ...».
وأخيراً فقد برع الكاتب في رسم علاقاته بالمجتمعات التي عاش فيها في داخل المملكة وخارجها، ومع أفراد أسرته وبخاصة مع والدته وشقيقه سعد، الذين بدوا لي أنهما قد أصبحا جزءاً لا يتحزأ من هوية الكاتب وشخصيته. ولذلك فقد نجح الكاتب في إيجاد ضرب من التوازن الجميل بين التركيز على فردانيته وإبرازها وتصوير مجتمعه القريب والبعيد بدرجة مقنعة، وكل ذلك تحقق -بطبيعة الحال- من منظور الكاتب بالدرجة الأولى.