عبدالله سعد الغانم
حاجة الإنسان للجليس كبيرة في حياته وقد قيل: الإنسان اجتماعيٌ بطبعه والمجالسة أمرها مهم وأثرها بالغ والحصيف من يحسن اختيار جليسه؛ لأن المجالسة تجلب المجانسة، وكم كتب الكُتَّابُ والخبراء والتربويون والشعراء في هذا المجال، وسبقهم إلى ذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم حيث حث جميعهم على اختيار من ينفعك من الجلساء وحذروا من جليس السوء والمضرة.
ولأنَّ المجالس تتعدد وتكثر ويختلف الجلساء فيها طباعًا وأخلاقًا وعقولاً فإن الشخص الفطن هو من إذا ورد مجلسًا عليه أن يكون واعيًا متسلحًا بالخوف من الله فلا يخوض مع الخائضين وإنما يحرص على النهل من الخير إن وُجِد ويتجنب الشر إن وُرِد بل ويغادر مجالس المضرة قبل أن تُلوِّث عقله أو تدنس أخلاقه، وإن أُرغم على الجلوس فما أحسن أن يقوي ثقته بعد الله في نفسه وتكون له كلمة فيقول للخطأ لا، فهو بهذا يسهم في توعية من يجالس حافظًا نفسه ومجلسه ومن فيه من الإثم والأذى وغشيان المرء لمجالس كبار السن وأهل الرقي والأخلاق العالية والثقافة الوافرة ممن يغوصون في بطون الكتب يرتقي به، ويحسِّن نظرته للحياة ويعينه على مواجهة ظروف الحياة حيث الخبرة في أحاديثهم والفائدة في تجاربهم وما مروا به من مواقف أمست دروسًا مفيدة أوقراءات فيها سمو وحكمة مؤثرًا في جلوسه الصمت على الحديث، وقد قال أبو الدرداء: أنصف أذنيك من فيك فإنما جُعِل لك أذنان اثنتان وفم واحد؛ لتسمع أكثر مما تقول. وقال القشيري: حظ الرجل في أذنه لنفسه، وحظه في لسانه لغيره.
وقد يأخذك العجب والاستغراب من أشخاص يحضرون المجالس فيستأثرون فيها بالحديث عن غيرهم؛ حيث ينصبون أنفسهم وكأنهم قادة وأكثر أهل المجلس ثقافةً وعلمًا فيأخذون الوقت الطويل وهم يتكلمون يريدون لفت الأنظار إليهم مظهرين أنانيتهم يشبعون غرورهم بصنيعهم السيئ، وغفلوا أو تغافلوا أنهم مذمومون وغير مرحَّبٍ بهم ويطالهم كره مجالسيهم، ومثل أولئك يزهدون الناس في المجالس ويجعلون من المرء أن يُجالس كتابًا فيجعله خير جليس آخذًا بنصيحة المتنبي حين قال: (وخير جليس في الزمان كتاب)، ولا أخير ولا أنفع من مجالسة كتاب الله حيث الحسنات والأجور وزيادة الإيمان والارتقاء بالعقل والأخلاق، وهنا ختمٌ لمقالتي بأبياتي في الجليس:
إنَّ الجليسَ بدنيانا لمقياسُ
فاصحبْ أخاً صالحًا كي يُرفع الراسُ
واحذرْ حبيسَ الهوى فالسوءُ ديدنُهُ
يغيبُ عنه مع الإيمانِ إحساسُ
ولا تراهُ يخاف اللهَ في أحدٍ
فهو العدو يقود الذئبَ وَسْواسُ
كم من جليسٍ سليمِ الصدرِ أهلكهُ
جليسُ سوءٍ به تزدادُ أدناسُ
إنَّ الحصيفَ هو المختارُ نافعَهُ
تطيبُ منه تراحيبٌ وإيناسُ
فاخترْ جليسًا يحبُّ اللهَ يعبدهُ
كتابُ ربي له نهجٌ ونبراسُ
** **
تمير - سدير