أ.د.عثمان بن صالح العامر
احتضنت قاعة الشيخ: (علي أبو العلا) في جامعة القرى بمكة المكرمة ظهر يوم الأربعاء الماضي، 11/ 7/ 1447هـ، الموافق 31/ 12/ 2025م، مناقشة رسالة علمية موسومة بـ(التجهيل الفكري وآثاره الثقافية ...) والتي تقدَّمت بها الباحثة: (ريم بنت عبدالرحمن الغامدي) لنيل درجة الدكتوراه في تخصص الثقافة الإسلامية، قسم الدعوة والثقافة الإسلامية، كلية الدعوة وأصول الدين، ونالت هذه الرسالة شرف إشراف فضيلة الأستاذ الدكتور: (عبدالله بن صالح الخضيري)، واستحقت الباحثة بعد مناقشة علنية الحصول على الدرجة العلمية بامتياز.
شدني بصدق هذا العنوان الذي يعني باختصار (تعتيم الحقائق، وطمسها، أو حرقها، أو لوي مسارها، أو تضخيمها، أو تلوينها، أو تهوليها، أو تهوينها، - بالمانشيات- الإعلانات المرئية- والإعلام الذي يغدو صناعة رائجة ورابحة، ولكنها صناعة الجهل)، وصناعة الجهل هذه -كما تقول الباحثة- ليست حدثاً عارضاً في ذهنية منظري التيارات الفكرية المختلفة، بل هي فكرة محكمة لدى الجماعات المتطرفة -محل البحث- أثَّرت على ثقافة شريحة من شرائح المجتمعات الإسلامية المعاصرة بشكل مباشر، حيث (الاصطناع الخادع للشعبية عن طريق احتكارات مفتعلة في مواقع التشريع والتنفيذ والسلطة).
لقد استطاعت الباحثة باحترافية عالية أن توظّف المناهج العلمية المختلفة (التأصيلية لتحديد دلالة المصطلح، والوصفية والتحليلية والتاريخية لبيان أبعاد ومضامين وتطبيقات (التجهيل الفكري عبر التاريخ الإنساني) من خلال الأديان المحرَّفة والوضعية، والفرق، والمذاهب، والتيارات القديم منها والحديث، وصولاً لما هو حادث من توظيف ممنهج ومدروس لدى الجماعات المتطرفة للتجهيل الفكري في عالم اليوم، وبعد هذا وذاك مارست الباحثة النقد العلمي الرصين للتجهيل الفكري المعاصر من خلال المنهج النقدي المعروف أكاديمياً في مثل هذا النوع من الدراسات الذي يجعل القارئ لهذا السفر العلمي المتميز بمأمن تام عن أن يمارس معه أي لون من ألوان التجهيل الفكري الذي يمثِّل أداة مركزية يعتمد عليها أصحاب الفكر الضال، وأهل البدع والخرافات في نشر باطلهم وترويج انحرافاتهم وتسويق خزعبلاتهم وأكاذيبهم من خلال تغييب الحقائق الشرعية وتشويهها.
ويستخدم أصحاب الفكر الضال التجهيل الفكري -كما تقول الباحثة في خاتمتها الرائعة- بوصفه أداة لإحكام السيطرة على أتباعهم، وتكريس مفاهيم وسلوكيات التطرف والغلو والإرهاب، متخذين مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) شرعةً ومنهاجا.
وعن الآثار الثقافية المتولِّدة عن هذا النوع من التجهيل أشارت الباحثة إلى أنه يفضي إلى تدمير الهويات الثقافية بمكوناتها المتنوِّعة، وذلك من خلال فرضه قوالب ثقافية مؤدلجة جامدة تختزل الولاء للدين والانتماء للوطن والمواطنة الصالحة وطاعة ولي الأمر في دائرة الجماعات السياسية أو الفرق البدعية أو الطوائف المذهبية، فضلاً عن أنه يضرب القيم الأخلاقية والآداب السلوكية مما يسهم في تكريس الفساد وتنامي الجهل القيمي لدى الأتباع. وفي نفس الوقت فالتجهيل الفكري يحطِّم النسيج الاجتماعي للمجتمع الواحد ويهدِّد إنجازه الثقافي والحضاري.
ولم تقف الباحثة عند هذا الحد، بل أبدعت في إبراز الدور الريادي للعلماء في المملكة العربية السعودية في مواجهة التجهيل الفكري، ومحاربة التضليل المعرفي، ومكافحة التطرف وبيان حقيقة الإرهاب، ونشر ثقافة الوعي الفكري الوسطي السلفي الصحيح، سواء أكان ذلك من خلال التعاون مع الجهات الحكومية والمؤسسات ذات الصلة بالشأن الأمني المجتمعي، أو بجهود فريدة شخصية خاصة من خلال الإعلام الجديد، كما عرَّجت الباحثة على الجهود الرسمية التي تتبناها الدول بشكل عام والمملكة العربية السعودية بشكل ريادي خاص، مما أسهم ويسهم في التصدي للحركات الفكرية الضالة والاتجاهات البدعية المنحرفة، التي تمارس التجهيل الفكري بوصفه وسيلة للاستمالة الفكرية، والغواية المعرفية المضلِّلة، من خلال ترسيخ ثقافة الوعي الفكري، وتحقيق الأمن المعرفي لدى الجماهير خاصة من هم في سن الشباب ولديهم القابلية للتأثر بما يطرح من مفاهيم ضبابية مخادعة تدغدغ مشاعرهم وتتلاعب بعقولهم التي ما زالت في مرحلة الكسب والتكوين.
شكراً للجامعة لتبنيها مثل هذه الرسائل النوعية بامتياز، شكراً للمشرف على هذا السفر العلمي الرصين، وشكراً خاصاً للباحثة على منجزها البحثي المتميز والذي يستحق الكتابة عنه، والاحتفاء به، وتبني طباعته ليكون على رفوف المكتبات وفي مواقع التواصل الاجتماعي، عله أن يصل للقارئ الكريم في كل زمان وبأي مكان، وليكون في ذات الوقت لبنة من لبنات الوعي الفكري التي تجسد مع الجهود التي سبقتها وما سيلحق بها حصناً حصيناً لنا وللأجيال من بعدنا، يقف منعة إزاء كل من يريد أن يهدِّد أمننا الفكري، ويسلبنا هويتنا الثقافية، ودمت عزيزاً يا وطني، وإلى لقاء، والسلام.