كلما تحدث وزير الاقتصاد والتخطيط الدكتور محمد الجاسر عن أهمية تحسين «الإنتاجية» في الاقتصاد السعودي تكاثرت الأسئلة حول الأسباب الحقيقية لانخفاض تلك الانتاجية وعن قدرة الأجهزة التخطيطية والتنفيذية في الدولة على مواجهة هذه الأسباب بشفافية حقيقية والتصدي لها.
قبل مدة غير بعيدة ظهر الدكتور الجاسر في برنامج تلفزيوني وتحدث عن ضعف الانتاجية في مكونات اقتصادنا الوطني، وكانت ردة الفعل لدى العديد من الكُتَّاب والمعلقين والمغردين ـ في مجملها ـ سلبية، بل إن الوزير واجه نقداً لاذعاً من بعض المعلقين.
وفي مؤتمر «يويرو موني» الذي عُقِد في مدينة الرياض عاد الوزير الجاسر من جديد للحديث عن «الإنتاجية» وقال، وفقاً للصحافة، إن هناك أربعة تحديات تواجه البلاد لتحسين الإنتاجية وهي تعدد الشرائح المكونة لسوق العمل، وتنوع القاعدة الاقتصادية، واجتذاب الشركات العالمية متوسطة الحجم ولاسيما من الدول المتقدمة، وترشيد الإعانات وبخاصة إعانات الوقود لغير المستحقين لها.
أعتقد أن معظم الاقتصاديين المحترفين يتفقون مع الوزير حول الخطورة التي يسببها ضعف الإنتاجية رغم أن المزاج الشعبي العام لا يرحب بهذا النوع من الطرح الذي يتبناه الوزير الجاسر المتخصص في الاقتصاد في دراسته الأكاديمية وفي تجربته الإدارية. ومعروف أن طروحات الاقتصاديين المحترفين ـ وخصوصاً في صيغتها الكلاسيكية التقليدية ـ لا تلقى في معظم الأحيان قبولاً لدى الشارع.
سنتوه عند الدخول في التفاصيل، لكن ما يربك حتى الذين لا يختلفون كثيراً مع الوزير عن خطورة ضعف الإنتاجية وعن بعض أسبابها وبعض الحلول المطروحة لمواجهتها هو أن الحديث يظل دائماً مفتقراً إلى الشفافية المطلوبة لأن الطرح الانتقائي لمشاكل الاقتصاد السعودي يضعف مصداقية تلك الطروحات.
ربما أن بعض أو معظم أو كل ما قاله الوزير عن التحديات التي تواجه إنتاجية الاقتصاد السعودي صحيح، ولكن هل يمكن اختصار القضية بما طرحه؟ وهل يمكن إيجاد معالجات جزئية لمشاكل متشابكة تتداخل لتكوِّن مجمل الصورة الاقتصادية؟
لو أخذنا، على سبيل المثال، بعض صور الفساد المختلفة التي يراها الناس رأي العين والتي تشُل إنتاجية الاقتصاد السعودي وتثير الأسئلة المتعلقة بمفاهيم العدالة الاجتماعية فإن الحديث عن رفع إنتاجية الاقتصاد السعودي من خلال طروحات الوزير وبعض الزملاء الاقتصاديين سيبدو باهتاً، لأنه لا يغوص إلى أعماق المشكلة.
إن التصدي الحقيقي لمعضلة ضعف الإنتاجية يتطلب قرارات وإجراءات جريئة حقاً. تلك القرارات والإجراءات هي التي ستطلق مكامن الإبداع لدى الناس وتُحَلِّق بإنتاجيتهم، مع الإقرار بأن التحديات التي ذكرها معالي الوزير هي تحديات حقيقية وفعلية.
alhumaidak@gmail.comص.ب 105727 - رمز بريدي 11656 - الرياض