حوار - علي بن سعد القحطاني
تعود أهمية ترجمة كتاب: (فلسفات عصرنا) إلى عرض هذه الفلسفات بأسلوب تبسيطي شمولي عام يتوجّه إلى فئات كثيرة وشرائح واسعة من جمهور القراء، وألّفه مختصون هم في معظمهم أساتذة فلسفة في الجامعات الفرنسية والغربية، وتوزعت الدراسات في الكتاب على الموضوعات الكبرى التي تشغل بال الفلاسفة المعاصرين في مجالات العلوم الإنسانية المختلفة.. والتقت (الثقافية) بمترجم الكتاب الناقد والباحث الجزائري د. إبراهيم صحراوي، وتحدث حول أهمية الكتاب وتأخُّر ترجمته لأكثر من عقد على إصداره والصعوبات التي واجهته في ترجمة النص الفلسفي وعن إقصاء الفلسفة العربية وغيابها في ثنايا الكتاب إلا من إشارات يسيرة إلى كتاب ابن طفيل (حي بن يقظان).. كما تحدث د. إبراهيم عن ورقة جون فرانسوا دوتييه الذي كان مبالغاً جداً حينما عرض تاريخ الفلسفة في ساعة و12دقيقة.. كما تطرق اللقاء أيضا إلى التعاطف الغريب من أوراق المشاركين في هذا الكتاب مع الخرافات والأكاذيب التي يُروجها اليهود حول إبادتهم من النازية.. ورأى د. إبراهيم أن مصطلح (ما بعد الحداثة) له مدلول آخر في الفلسفة غير الذي سمعناه من المثقفين والنقاد العرب.. والمصطلح يركّز في ماهيته على الاختلاف والامتزاج والتعدد الثقافي.
النص الفلسفي
بودنا في البداية أن نشير إلى موضوع الكتاب، أهميته ولماذا تأخَّرت ترجمته عقداً من الزَّمن بما أنَّه صدر في فرنسا سنة 2000 عن منشورات العلوم الإنسانية كما يتَّضح في المقدِّمة، وما هي الصعوبة التي واجهتكم في ترجمة النصّ الفلسفي؟
- موضوع الكتاب هو كما يبدو من عنوانه: الفلسفات المعاصرة.. مُهمَّته هي عرض هذه الفلسفات بأسلوب تبسيطي شمولي عامّ، وهنا تكمن أهميته كونه يتوجَّه إلى فئات كثيرة وشرائح واسعة من جمهور القُراء هي:
1- المتخصِّصون، إذْ يُلخِّص لهم ميادين التخصُّص عارِضاً أفكارَها الرئيسة ومبادئها الأساس بجمعها في كتاب واحد.
2- الطلبة الجامعيون، فالكتاب بمثابة الكشكول الجامع لموضوعات التخصُّص وقضاياه ومصطلحاته ومُلخِّصِ النظريات الكبرى في المجال والمُعرِّف بها وبروادها، إضافة إلى ما يتعلَّق بجانبه المرجعي البيبليوغرافي إذ يُحيل إلى عشرات المؤلَّفات والمصنَّفات الفلسفية.
3- عموم القراء وأنصاف المثقَّفين ومُحبو المطالعة والثَّقافة العامَّة بما أنَّه يجمع لهم في كتاب واحد نظراتٍ وآراءً وأفكاراً ورؤى تخصُّ الفلسفة الغربية.. لذا فهو محطَّة أولى تفتح الشَّهية (ومُحفِّز في الوقت نفسه) لمن يرغب بعد ذلك في التوسُّع والغوص في الموضوعات المعروضة بالعودة إلى مصادرها ومراجعها التي يشير إليها.
أمَّا فيما يتعلَّق بتأخُّر ترجمته عقداً من الزَّمن فيعود ذلك إلى عوامل كثيرة منها العام ومنها الخاصّ.. فالعام يتمثَّل في غياب برامج رسمية للترجمة ترعاها مؤسَّسات متخصِّصة تُرصد لها الأموال وتوضع الخطط، ومن ثمّ فإن أكثر ما نراه في هذا المجال مجهودات شخصية ومبادرات فردية هنا وهناك.. وليس سرّاً أن ما يترجم في البلاد العربية مجتمعة ضئيل جداً من حيث الكمّ حيث إنَّه أقل من 1-10 (عُشُر) ما يُترجم في أقل البلدان الغربية وغير الغربية اهتماماً بالترجمة، ومن العامّ أيضاً قِلَّة فُرص النَّشر في هذا المجال بالذَّات.. ومن العوامل الخاصَّة المتعلِّقة بي شخصياً، ضيق الوقت من جهة، فأنا أستاذ مُحاضر بجامعة الجزائر (كلية الآداب واللغات)، محكوم ببرنامج عمل وواجبات والتزامات (تدريس، إشراف، مناقشة أطروحات إلخ...)، يُضاف إلى ذلك أنَّني لست محترِف ترجمة على الرَّغم من أنَّني ترجمت لحد الآن خمسة كتب (من الفرنسية بطبيعة الحال)، ذلك أنَّ تخصُّصي الأساس هو الأدب والنَّقد وليس الفلسفة.
الصعوبات التي واجهتني صعوبات تقليدية عادية، أي تلك التي يُواجِهها الإنسان عند نقله نصّاً ما من لغة إلى أخرى منها خصوصية لغة ما لفظياً وأسلوبياً تركيبياً، وصعوبة ترجمة المصطلح ونحت مقابل له في لغة الوصول ولا سيما إذا كان متخصِّصاً، وتكفي الإشارة في هذا المجال إلى كثرة ما يُكتب ويُقال في العالم العربي عن الترجمة عامَّة من عُجمة وضُعف وعدم دِقَّة وغموض وتعقيد، وعن المصطلح بخاصَّة، من فوضى وغرابة وضُعف لُغوي وركاكة أسلوب..
الإقصاء
الكتاب رغم شموليته وحصره لكل تيارات الفلسفة واتجاهاتها إلاَّ أنَّه ركَّز على الفلسفة الغربية وأقصى الفلسفات الشرقية وتكاد تكون الفلسفة العربية غائبة إلاّ من إشارات يسيرة إلى كتاب ابن طفيل (حيّ بن يقظان)، لماذا هذا الإقصاء؟
- هذا أمر طبيعي جداً، لأنَّ الكتاب تأليف غربي أولاً، ويهتمّ بالفلسفة الغربية دون سِواها ثانياً.. ثمَّ (ثالثاً) إنَّ الفلسفة في العصر الحديث غربية بحتة، وقد قُلت في المقدِّمة (وهو ما قد لا يوافقني فيه البعض) إن كلّ أمم الأرض عيال على الغرب في كلّ مجالات الفِكر (ومنها الفلسفة) والمعرفة والعلوم وتطبيقاتها التكنولوجية في العصر الحديث.
ساعة و12 دقيقة
ألا ترى أن جون فرانسوا دورتييه كان مبالغاً جداً حينما قدّم الفلسفة في ساعة و12دقيقة؟.. بمعنى أنه بلا شك أسقط قضايا كبيرة اهتمت بها الفلسفة وأعرض عن أسماء كان لها تأثير واضح في إثارة هذه الأسئلة، هل هي اللا مبالاة منه؟
- لا أشاركك الرأي. شخصياً أرى أن الكتاب كان بحاجة إلى مُقدِّمة، إلى مدخل عام يؤطِّر مادَّته ويهيئ القارئ لمباشرتها.. فلم يكن أحسن من تتبُّع مسيرة الفلسفة منذ القديم (الإغريق بالنسبة للغرب) وعرض محطَّاتها الكبرى وموضوعاتها ومجالاتها الرئيسة وقضاياها ومشكلاتها الأكثر إلحاحاً وتواتُراً على مرّ الأزمان والعصور، ومن ثمَّة الإشارة إلى أكبر الأسماء وأكثرها شهرة وتأثيراً في الفلسفة والفِكر الغربيين.. وهي في اعتقادي أي المقدِّمة، قد نجحت في ذلك.. شخصياً قرأتها باستمتاع فأضاءت لي نِقاطا كثيرة وزوَّدتني بمعلومات كنت أجهلها وفتحت عيني على أمور لم أكن منتبهاً لها.. ولعلَّنا نجد له عُذراً في أنَّ الكتاب لا يتوجَّه إلى المُختصِّين في الفلسفة فقط..
حي بن يقظان
كان بالإمكان أن تستفيضوا الحديث عن رواية حي بن يقظان لابن طفيل.. ورواية روبنسون كروزييه التي كتبها البريطاني دانيال ديفويه في القرن 18 والتشابه ما بين أحداثها القصصية فوق جزيرة خالية.. لماذا اقتصرتم على التعريف في ثلاث صفحات فقط من الكتاب مع أن الروايتين ستقودكم إلى الكشف عن دلالات ورموز وأسئلة أخرى تثيرها هذه النصوص الإبداعية.. هل هو قصور منكم كمترجمين.. أم من صاحب النص الأصلي؟
- لعلَّك لاحظت أخي إشارتي في المقدِّمة إلى أنَّني لم أرغب في أن تكون ترجمتي ترجمة نقدية.. بمعنى أنَّني لم أرغب في التعليق والتعقيب والمقارنة والشرح والمناقشة وما إلى ذلك، لأن الأمر لو حدث كان سيضاعف حجم الكتاب ثلاث أو أربع مرات على الأقل (وهو ضخم أصلاً: 550 صفحة في الترجمة و360 صفحة في الأصل) لأنَّ كلَّ ما ورد فيه يستدعي المناقشة والتعليق ولا سيما من وِجهة نظرنا باعتبارنا مسلمين نقف في الخندق المقابل تماماً لخندق الفلسفة الغربية وأهلها ولنا حضارة مختلفة تماماً، بل هي الحضارة النقيض لحضارة الفلسفة التي يعرضها الكتاب أي الحضارة الغربية.. ثم إنَّني لست فيلسوفاً أو مُختصّاً في الفلسفة كما سبقت الإشارة.. ومع ذلك تلاحظ أنَّني لم أتمالك نفسي فلم أستطع منعها من التعليق (في ص29 و30 من الكتاب) على إيراد المؤلّف لقصَّة حيّ بن يقظان وموقفه الإيجابي منها بإشارتي إلى أن هذا الموقف شهادة مُنصِفة قلَّما نحظى بها في الغرب.. وعموماً بيَّنت في المقدِّمة أن تدخُّلاتي محدودة تنحصر في هوامش بسيطة.. تعليقات أو تعقيبات أو توضيحات.. تاريخ أو اسم أو هيئة.. مع مراعاة عدم الإطالة كي لا تغدو الترجمة تعليقاً أو مناقشة لمضامين الكتاب.. ثم إن قصَّتي حي بن يقظان (التي أدرجتها في كتابي: السَّرد العربي القديم: الأنواع والوظائف والبنيات، 2008، ضِمن القصص الرؤيوي، ص 92، الذي هو قصص رمزي يلجأ إليه الفلاسفة والمفكِّرون لتوضيح آرائهم وشرح أفكارهم) وروبنسون كروزييه منتشرتان على نطاق واسع وبإمكان من يرغب في استفاضتهما العودة إليهما في نصَّيهما أو في الموسوعات والقواميس ومحرِّكات البحث على الإنترنت، ومن ثمَّة فلا أعتقد أن هناك قصوراً سواء أكان ذلك منِّي أم من المؤلِّف (وأرجو ألاَّ أكون مُخطِئاً).
الفلاسفة والمجتمع
كان للفلاسفة قديماً حظوة في قيادة مجتمعاتهم كسقراط وأفلاطون وابن رشد والفارابي، اليوم نتساءل عن مهمة الفيلسوف في المجتمع المعاصر هل غدا صوته مسموعاً كأسلافه؟
- في الغرب نعم.. للفلاسفة حظوة وصوتهم مسموع في مجتمعاتهم ولهم دور في قيادتها وإن كان بطريقة غير مباشرة في أحيان كثيرة، لأنهم جزء لا يتجزَّأ من نُخب المجتمع الفاعلة.. وآراءهم وأفكارهم ونظرياتهم تُسهم بشكل أو بآخر في سنّ القوانين وتوضيح الرؤى وصنع القيم ومن ثمَّة التأثير على المجتمع وتوجيهه.. أمَّا في العالم العربي فالأمر مختلف، ينبغي أن يوجد فلاسفة أولاً، كي نجيب عن السؤال..
ميشال فوكو
في ورقة (ميشال لالومان) ص133 من الكتاب يقول إن ميشال فوكو كان عصياً على التصنيف.. هل هو مؤرخ.. أم عالم اجتماع أو فيلسوف أم محلِّل نفساني، ما تعليقكم على هذه الورقة؟
- بالضبط.. لأنَّه يصعب حصر ميشال فوكو في مجال بعينه من مجالات العلوم الإنسانية للطابع الشمولي العابر للتخصُّصات الذي تأخذه مؤلّفاتُه، انظر إلى هذا التنوع في العناوين: تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، الكلمات والأشياء، حفريات (جينالوجيا) المعرفة، المراقبة والعقاب، إرادة المعرفة...
(ما بعد الحداثة)
ما المقصود بمصطلح (ما بعد الحداثة) عند الفلاسفة؟
- هذا ما تُجيب عليه الصَّفحات من 177 إلى 186 والعبارة عموماً إشارة إلى حالة فكرية بدأت تبرُز في الغرب منذ نهاية السبعينيات تعني الانصراف لدى البعض عن المبادئ الكبرى للحداثة الغربية، المبادئ التي انبنى عليها الغرب الحديث: الإيمان بالتقدُّم وبالعلم وقوته العظيمة وبالغد الأفضل وبالاعتماد الكلي على العقل.. ما بعد الحداثة يعني التحرُّر بعض الشيء من هيمنة هذه المُسلَّمات، من فكرة تفوّق الغرب ومركزيته (المركزية الأوروبية) ورغبته في قولبة العالَم وِفق نظرته ومبادئه ومُعتقداته بالتدخُّل السّافر في حياة الآخرين وخصوصياتهم في كلّ المجالات: سياسياً، اقتصادياً، اجتماعياً، ثقافياً.. هذه الرغبة في إعادة صياغة الآخر وفرض الحداثة الغربية عليه وقولبته وِفق القِيم الغربية هي ما نُعبِّر عنه اليوم ب(العولمة) التي يتجاوز هدفها النِّهائي الاقتصاد ليركِّز على الجوانب الثقافية الحضارية أي الخاصَّة التي تصنع إنيَّة أمَّة ما وهويَّتها وتفرُّدها الحضاري، ونتذكَّر جميعاً أن الحملات الاستعمارية الحديثة كانت في نظر أصحابها، أي الغربيين، (مُهمَّة تمدينية).. وهي اليوم تأخذ شكلاً آخر: مُناصرة الديمقراطية وحقوق الإنسان وما إلى ذلك مما نراه ونقرأه ونسمع عنه.. والأمر من قبل ومن بعد استمرار للصراع الحضاري الأزلي بيننا نحن المسلمين بالضَّبط وبين الغرب لاختلاف منظومتي القِيم التي تتحكَّم بحياة كلّ طرف.. من هنا نلاحظ أن تأثير فِكر ما بعد الحداثة لم يمتدّ بعد إلى المجال السياسي خصوصاً ما تعلَّق منه بالعلاقات مع الآخر، لأن هذا الفِكر يُركِّز على الاختلاف والامتزاج والتعدُّد الثقافي، وهو ما يعني الاعتراف بالآخر وقبوله مثلما هو، دونما رغبة تحويره أو الرغبة في إعادة صياغته أو التدخَّل في خصوصياته..
إبادة وأكاذيب
هناك تعاطف غريب من أوراق المشاركين مع الخرافات والأكاذيب التي تروّجها اليهود حول إبادتهم من هتلر هل انطلت عليهم واسمح لي يا دكتور إبراهيم أنكم اكتفيتم بالنقل وكان دوركم كمترجمين سلبياً في هذا الشأن ولم تكتفوا حتى بالتعليق في الهامش أرجو أن أجد مبرراً في إجاباتكم؟
- صحيح، ويتعلَّق الأمر ببحث الشمولية الذي حصرها أو كاد في هتلر وسياسته النازية، ص من 238 إلى 248 الأكاذيب والخرافات التي روَّجها اليهود انطلت على الغربيين، وإن لم تنطل عليهم تراهم مُجبَرين على الاعتراف بها واعتناقها نظرياً على الأقل، ثم إن في هذا الأمر شيئاً من التضامن الحضاري فالغرب بأطيافه المتعددة: اللاتين والجرمان والسلاف، واليهود شيء واحد لأنَّهما المكونتان الأساسيتان للحضارة اليهودية المسيحية.. أمَّا اكتفائي بالنقل دون التعليق ولو في الهامش فقد سبقت الإجابة عن هذا الأمر في بداية اللقاء، وأُكرِّر هنا أنَّني كنت مترجماً ولم أكن مُناقشا أو مُعقِّبا أو مُعلِّقا.. والأمر في النهاية متروك للقارئ..