|
تحدثنا في الجزء الأول من هذا المقال عن (سحر هاروت)، وارتباط هذا التعبير في الشعر العربي بالتعبير عن قوة المنطق، وحلو حديث الحبيب تارة، وبنظرات عيونه تارة أخرى.. واليوم نواصل الحديث في هذا الشأن، فنكمل ما بدأناه في توظيف مصطلح (سحر هاروت) في الشعر العربي، ثم نعرج على توظيفه في الشعر النبطي. ومن الشعراء من يبالغ فيزعم أن هاروت يأخذ السحر ويتعلمه من عيون الحبيب، قال ابن الفارض:
|
وبِطَرْفِهِ سِحْرٌ لَو ابْصَرَ فِعْله |
هاروتُ كان له به أستاذا |
|
وَبِي مِن ظِباءِ الإِنسِ ذاتُ لَواحظٍ |
تَعلَّم هارُوتٌ بِها كَيفَ يَسحَرُ |
|
يُديرُها قَمَرٌ في طَرفِهِ حَوَرٌ |
كَأَنَّما اشتُقَّ مِنهُ سِحرُ هاروتِ |
|
بِروحي وَقَلبي شادِنٌ غُنْجُ طَرفِهِ |
يُعَلِّمُ هاروتَ الكَهانَة وَالسِحرا |
|
وَغُنجُ عَينيكَ أَم سِحرٌ تلقَّفَه |
هاروتُ فازداد تَسليكاً بِهِ وَطَغى |
|
ومن حولها أعين ناعسات |
تعلم هاروتُ من سحرها |
|
ومقلة نجلاءُ فتاكةٌ |
هاروتُ يسترشد من سحرها |
|
ذوابل بالسحر مكحولة |
ببابل هاروت عنها نقل |
ومنهم من يزيد في المبالغة في وصف سحر العيون وقوته فيرى أن هاروت نفسه قد عاد مسحورا من عيون محبوبه، قال الأخرس:
|
يا أيُّها الرَّشأ المغري بناظره |
قد عاد هاروتُ من جفنيك مسحورا |
ويرى ابن فركون أن السحر أصله العيون لا ما جاء به هاروت، قال:
|
وما السّحْرُ عن هاروتَ يُرْوَى حقيقةً |
ولكنّهُ يُرْوَى عنِ الأعْيُنِ النّجْلِ |
ويشكو شوقي عذاب جفني المحبوبة وكأنه يراهما (هاروت وماروت)، يقول:
|
تُعَِّبُهُ بِسِحرِهِما |
وَتوجِدُهُ وَتُعدِمُهُ |
فَلا هاروتَ رَقَّ لَهُ |
وَلا ماروتَ يَرحَمُهُ |
وإذا كان الشعراء فيما نقلنا هنا قد شبهوا الحديث المؤثر، ونظرات الحسان، ب(سحر هاروت)، فإن منهم من يرى أن (سحر هاروت) كامن في نظرات محبوبه وفي حلو حديثه معا، فالسحر له فيه مصدران اثنان لا واحد، هما العين والفم، قال ابن حمديس:
|
سِحْرُ هاروتٍ وماروتٍ بها |
في فتُورِ اللحظِ واللفظِ الرّخيم |
|
كأن في فيها وفي طرفها |
سواحرَ أقبلن من بابل |
وليس الشعر النبطي ببعيد عن الشعر الفصيح في تشبيهه أثر العيون الجميلة في النفوس العاشقة لكل جميل، بالسحر، وب(سحر هاروت) على وجه الخصوص، فهذا محمد العبدالله القاضي يقول:
|
لواحظه به سحر هاروت معمول |
يوري الرضا لي في تغيزل اغزاله |
فاللواحظ وهي العيون فيها سحر هاروت معد ومجهّز، و(العمل) مصطلح مرادف للسحر، وإشعار محبوبه برضاه من خلال نظرات عيونه (تغيزل اغزاله) لا شك في أنه مظهر من مظاهر هذا السحر..
|
|
سود نظرهن يودع القلب ينلاع |
ومما عمل هاروت سحر نشعها |
ومعنى (نشعها) خالطها، فالسود وهي العيون يصيب النظر إليها القلوب بالألم والحسرة لجمالها، ولما خالط نظراتها من سحر مؤثر.. أما أحمد الناصر الشايع فهو يتمنى رؤية محبوبه الذي وصفه بأن (سحر هاروت بعيونه) ويتحسر على عدم حصول أمنيَّته، يقول:
|
الصاحب اللي سحر هاروت بعيونه |
ودي بشوفه ولكن ما تهيا لي |
|
غزال بعينه سحر هاروت |
جرحني ولا داوى جروحي |
ويقول يعقوب الحاتمي من شعراء الإمارات ت 1315هـ:
|
هو خليلي هو نظيري هو شفايا |
من سحر هاروت في عينيه بيه |
ويقول شاعر الكويت الكبير فهد بورسلي:
|
في عيونه سحر هاروت دمث الشّفيّة |
سحّروني وانا بيني وبينه حجابي |
فسحر المحبوب قد أصابه على الرغم من أن بينهما حجابا، ولعله أراد بالحجاب ما يمنع السحر من الأوراد والأدعية المأثورة، وهذا المعنى أجود من إرادة المعنى المادي للحجاب وهو الساتر المادي، قال سليمان الطويل في رجل يقال له شبيب كان سليمان مدينا له بمال، وقد حاول التهرب منه لكنه لم يستطع:
|
صليت بالجامع وسبحت تسعين |
مع كثرهن واتبعتهن بتهليلة |
قريت عم والمدثر وياسين |
وزبنت رب ما يخيّب دخيله |
وقريت وردي عن جميع الشياطين |
وشبيب ما سوى به الورد حيلة! |
ويقول حسين أبوبكر المحضار:
|
صدفني ياهلي قمري |
سحر هاروت بأجفانه |
أما متروك حاوي العنزي، فيقول:
|
سود العيون اللي بها سحر هاروت |
يابوسعد يا ويل من ينظرنه |
وأحيانا لا يقتصر سحر هاروت عند بعض الشعراء على نظرات العيون، بل قد يكون السحر في الأسنان الساحرة بين الشفاه الجميلة، قال محمد السديري:
|
وطفل سحر هاروت بشفاه منضود |
اللي نهب مكنون قلبي سراقه |
وهناك نوع من السحر يقال له (السقوى).. وبعض الشعراء يرى السحر في كل محبوبه لا في حلو حديثه ، أو في نظرات عيونه، ومعسول رضابه فقط.. يقول محمد العبدالله القاضي:
|
به سحر هاروت وماروت مقرون |
والصرف يغذى من جبينه وينجاب |
فسحر هاروت وماروت مقترن به كله، أما (الصرف) وهو نوع من السحر فإنه يستمد تأثيره وقوته من جبينه، ومنه ينبع ويُجلب أيضاً.. ويرى عبدالله الشدوي أن سحر محبوبه منتسب إلى سحر هاروت، يقول:
|
أحيان أحسك من ضروب المزوحي |
وأحيان أحسك سحر من سحر هاروت |
أما عبدالله السويدان فيرى أن سحر محبوبه يفوق سحر هاروت.
|
|
هذاك أنا يا من لمع بأكحلك جيش |
يا من طغى سحرك على سحر هاروت |
والشاعر جاسر بن غضيان الشراري له رأي أكثر مبالغة وإغراقا في مسألة سحر النساء، فإذا كان سحرهن ليس سوى سهم أي جزء من سهام سحر هاروت، فإن في العيون وحدها سحر هاروت بأجمعه، يقول:
|
نظرت العيون اللي هدبها سهوم الموت |
يطلن على أجمل خدودٍ نسائيه |
إذا كان سحر البيض هو سهم من هاروت |
ففيها سحر هاروت كله وهي زيه |
|