تميز العرب بسرعة البديهة، وزاد من جمالها عندهم قوة العقل وسلامة الفطرة؛ وحينما جاء الإسلام أمد العرب بثقافة وفقه وثروة علمية كان من نتاجها أدب عربي أصيل.
|
وفي تاريخ العرب والمسلمين مواقف غاية في الجمال والإبداع، تجلت فيها سرعة البديهة في أسمى معانيها.. ومن حق أجيال المسلمين اللاحقة أن تقرأ تلك المواقف وتعيها، ومن واجب الآباء والمربين أن يقدموها لهم.
|
وإن الباحث ليحار حينما يريد أن يختار منها ما يستشهد به على ما وصل إليه العرب من براعة في القول وحسن تخلص في الأزمات وقوة في الإقناع وتفوق على الخصم بالحجة والبرهان، وهذه نماذج أحسبها من أجود ما قرأت من البيان العربي الأصيل تتجلى فيه سرعة البديهة ويتألق فيه العقل العربي.
|
وقف أحد أصحاب الفكر الضال المشككين في تعاليم الإسلام وحدوده فقال:
|
|
ما بالها قطعت في ربع دينار؟!
|
يقول: دية اليد نصف دية الرجل: خمس مائة من الذهب، لماذا تقطع إذا سرقت ربع دينار؟!
|
وكان يسمعه فقيه أديب شاعر فرد عليه رداً مفحماً مقنعاً، بالوزن والروي نفسهما حيث قال:
|
عز الأمانة أغلاها، وأرخصها |
ذل الخيانة فافهم حكمة الباري! |
كانت اليد غالية جداً حينما كانت أمينة.. أما حينما خانت فقد رخص ثمنها!!
|
وكان عمر بهاء الدين الأميري شاعر الإنسانية المؤمنة يدرس في إحدى الجامعات وفي إحدى المحاضرات قام طالب ماركسي وأراد أن يحرج أستاذه فقال: ما تقول يا أستاذ في قول بشار بن برد:
|
إبليس خير من أبيكم آدم |
فتميزوا يا معشر الأشرار |
إبليس من نار وآدم طينة |
والطين لا يسمو سمو النار |
فأجابه الأميري على البديهة - وبسرعة:
|
إبليس من نار وآدم طينة |
والنار لا تسمو سمو الطين |
فالنار تحرق نفسها ومحيطها |
والطين للإنبات والتكوين(1) |
فصفق الطلاب جميعهم وأسقط في يد الطالب الماركسي وأخرس لسانه، رحم الله عمر بهاء الدين الأميري وغفر له.
|
وتكون سرعة البديهة وقوتها درعاً يقي صاحبه عدوان المعتدين وسخرية الساخرين، وعن ذلك ما حصل للشاعر الأموي كثير بن عبدالرحمن بن أبي جمعة الخزاعي ويعرف في تاريخ الأدب ب(كثير عزة) وعزة هي محبوبته. فقد دخل كثير على عبدالملك بن مروان في أول خلافته، فقال: أنت كثير، قال: نعم، فقال: تسمع بالمعيدي لا أن تراه! فقال: يا أمير المؤمنين، كل إنسان عند محله رحب الفناء، شامخ البناء، عالي السناء، وأنشد يقول:
|
ترى الرجل النحيف فتزدريه |
وفي أثوابه أسد هصور |
ويعجبك الطرير إذا تراه |
فيخلف ظنك الرجل الطرير |
بغاث الطير أطولها رقاباً |
ولم تطل البزاة ولا الصقور |
خشاش الطير أكثرها فراخاً |
وأم الباز مقلاة تزور |
ضعاف الأسد أكثرها زئيراً |
وأصرمها اللواتي لا تزير |
وقد عظم البعير بغير لب |
فلم يستغن بالعظم البعير |
ينوخ ثم يضرب بالهراوي |
فلا عرف لديه ولا نكير |
يقوده الصبي بكل أرض |
ويصرعه على الجنب الصغير |
فما عظم الرجال لهم بزين |
ولكن زينهم حسب وخير |
فقال عبدالملك: لله دره، ما أفصح لسانه، وأضبط جنانه، وأطول عنانه، والله إني لأظنه كما وصف نفسه(2).
|
وهذه شذرات من مواقف سرعة البديهة وقوة البلاغة لدى أعلام من العرب بادية وحاضرة، ورعاة ورعية.
|
قالت جارية ابن السماك له: ما أحسن كلامك إلا أنك تردده، قال: أردده حتى يفهمه من لم يكن فهمه، قالت: فإلى أن يفهمه من لم يكن فهمه يمله من فهمه(3).
|
وللحجاج بن يوسف الثقفي مواقف مع خصومه وغيرهم نرى فيها براعة نادرة في حس التعبير وجودة التخلص وقوة العقول، فقد ظفر الحجاج بأصحاب ابن الأشعث، فجلس يضرب أعناقهم، فأني في آخرهم برجل من تميم، فقال له: يا حجاج! لئن كنا أسأنا في الذنب، فما أحسنت في العقوبة، فقال الحجاج: أف لهذه الجيف، ما كان فيهم من يحسن هذا؟ وأمر بتخلية سبيل من بقي(4).
|
لم يكن بين من قتلهم الحجاج ومن عفا عنهم سوى حسن التعبير وقوته وجماله.. وهنا نقلب الحكمة المشهورة لنقول: إذا كان السكوت من فضة فالكلام من ذهب.. إنه الكلام، ولكنه كلام أحسن انتقاؤه وأسرع إلى السامع إلقاؤه.
|
قال أبو جعفر المنصور لأبي جعونة العامري من أهل الشام: ألا تحمدون الله بأنا قد ولينا عليكم، ورفع عنكم الطاعون؟! قال: لم يكن ليجمعكم الله علينا والطاعون)(5).
|
|
وإذا الفاحش لاقى فاحشاً |
فبهذا وافق الشن الطبق |
إنما الفحش ومن يعتاده |
كغراب البين ما شاء نعق |
أو حمار السوء إن أمسكته |
رمح الناس وإن جاع نهق |
أو غلام السوء إن جوعته |
سرق الجار، وإن يشبع فسق(6) |
درتان من درر أبي جعوانة العامري ومسكين الدارمي فيها الصراحة والوضوح والإقناع، وفي حوار قصير جداً نجد التربية السامية والتوجيه العميق.. فقد قال أحدهم لرجل اسمه: فريد - وكان يحمل شيئاً تحت إبطه - يا فريد: ما الذي تحت حضنك؟ قال: يا أحمق! ولم خبأته؟
|
إن الفضول عدو مبين يبدأ بصاحبه فيوقعه في المهالك ويفسد سمعته ويكثر خصومه، ويبعد أحبابه.. ولذلك جاء جواب مزيد حيث قال: (يا أحمق ولم خبأته).. وكم نقع في مثل ذلك ونحن نشعر أو لا نشعر.. وكم دفعنا من ثمن لفضولنا؟!!
|
وهذه حادثة من تاريخنا تألقت فيها بلاغة السلف وفقههم وبعد النظر الذي يتمتع به قضاتهم وحكامهم فقد روى المؤرخون أن أبا الأسود الدؤلي وامرأته تنازعا في رعاية ابن لهما وتخاصما عند زياد بن معاوية وأراد أبو الأسود أخذه منها فأبت، وقالت المرأة: أصلح الله الأمير هذا ابني كان بطني وعاؤه، وحجري فناؤه، وثديي سقاؤه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام، فلم أزل بذلك سبعة أعوام، فلما استوفى فصاله، وكملت خصاله، واستوكعت أوصاله، وأملت نفعه، ورجوت عطفه، أراد أن يأخذه مني كرهاً، فآدني أيها الأمير، فقد أراد قهري، وحاول قسري.
|
فقال أبو الأسود: هذا ابني حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، وأنا أقوم عليه في أدبه، وأنظر في تقويم أوده، وأمنحه علمي، وألهمه حلمي، حتى يكمل عقله، ويستكمل فتله.. فقالت المرأة: صدق أصلحك الله، حمله خفا وحملته ثقلاً، ووضعه شهوة، ووضعته كرهاً. فقال زياد: أردد على المرأة ولدها فهي أحق به منك، ودعني من سجعك)(7).
|
إن سرعة البديهة وفصاحة اللسان تحتاجان إلى فقه وبه تؤتيان ثمارهما وتصلان إلى غاياتهما المرجوة.. وبدون الفقه والعلم تسقط حجة المجادل ويهزم فصيح اللسان.
|
أما حوار الأدباء وبلاغة الشعراء فشيء يصعب حصره ويحار القارىء والسامع والناقد في افتناص فرائده بين جواهره ومن ذلك ما روى أن سعيد بن سلم أوصل شاعراً باهلياً إلى هارون الرشيد، فأنشد الباهلي الخليفة قصيدة حسنة، فاسترابه الرشيد، وقال: أسمعك مستحسناً، وأنكرك متهماً، فإن كنت صاحب هذا الشعر فقل في هذين، وأشار إلى الأمين والمأمون وكانا جالسين.
|
فقال يا أمير المؤمنين، حملتني على غير الجدد: هيبة الخلافة، ووحشة الغربة، وروعة المفاجأة، وجلالة المقام، وصعوبة البديهة، وشرود القوافي، على غير الروية، فليمهلني أمير المؤمنين حتى يتألق نافر القول.
|
فقال الرشيد: لا عليك ألا تقول، قد جعلت اعتذارك عوض امتحانك فقال:
|
يا أمير المؤمنين، نفست الخناق، وسهلت ميدان السباق، ثم قال:
|
بنيت بعبدالله بعد محمد |
ذرى قبة الإسلام فاخضر عودها |
هما طُنباها بارك الله فيهما |
وأنت أمير المؤمنين عمودها |
فقال الرشيد: وأنت بارك الله فيك، سل ولا تكن مسألتك دون إحسانك، فقال: الهنيدة يا أمير المؤمنين! فأمر له بها، وبخلع نفيسة، وصلة جزيلة)(8). والهنيدة: اسم للمائة من الإبل.
|
بتلك العوامل مجتمعة: فصاحة اللسان، وسرعة البديهة، والفقه في الدين، وسخاء النفس واليد وبعد النظر وعمق النظرة.. بتلك الخصال بنيت حضارة أمة وقام بنيانها وعلت راياتها وما أحوج أجيالنا المعاصرة وبناة حضارتنا الحاضرة إلى تلك وأمثالها.
|
كتبه: عبد العزيز بن صالح العسكر |
عضو الجمعية العلمية السعودية للغة العربية |
ص.ب 190 - الدلم – 11992 |
1- من أمسية شعرية شهدتها في الرياض قبل أكثر من ثلاثين سنة وكان الشاعر أحد فرسانها.
|
2- كتاب زهر الآداب لإبراهيم بن علي الحصري القيرواني ج2 ص 410 - 411 ط4.
|
3- كتاب بهجة المجالس وأنس المجالس للإمام ابن عبد البر ج1 ص95 ط2 - 1402هـ.
|
|
|
6- المصدر نفسه ص 103 - 104.
|
7- زهر الآداب ج4 ص 1114 - 1115.
|
8- المصدر السابق نفسه ص 1088 - 1089.
|
|