Al Jazirah NewsPaper Thursday  03/12/2009 G Issue 13580
الخميس 16 ذو الحجة 1430   العدد  13580
الإنسان العربي والتحديات
مي عبد العزيز عبد الله السديري

 

تشير كلمة حضارة إلى مستوى مرتفع نسبياً من التطور الثقافي والتقني وبخاصة مرحلة التطور الثقافي التي يتحقق فيها تدوين وحفظ ذلك التطور في سجلات واضحة، وهي السمة الثقافية التي تسود في فترة زمنية محددة ومنطقة معينة، وبالطبع ينجم عن ذلك نقاء في الفكر وطهارة في الأخلاق ورفعة في الذوق.

وفي هذا الخصوص واستناداً إلى المفاهيم السالفة الذكر والأسس التي تقيم الأمم والشعوب على أساسها نرى أن ذلك التقييم يعتمد على مقدار عطاء تلك الأمم في هذه المجالات، وهنا نسأل أين موقع الإنسان العربي بين الأمم، وما هو مقدار مساهمته في الحضارة الحالية، وهل هو مؤهل لأن يقوم بدور نشط ومشرّف كما فعل أسلافه وأجداده الذين نشروا العلم والمعرفة وأسهموا في إثراء الحضارة علمياً وثقافياً وتقنياً؟

إذا اعتمدنا مبدأ المصارحة ومارسنا النقد الذاتي وأردنا مواجهة المشاكل التي نعاني منها من جذورها مثل الاتكالية والعجز والتهرب من المسؤولية، يتحتم علينا أن نقول للناس ما قد يغضبهم، ويحضرني وصف جبران خليل جبران للشرق فيقول: (الشرق مريض ويحب أن يتعامل مع الأطباء الكاذبين وبالمقابل يرفض ويكره التعاون مع الصادقين منهم)، نعم ما زال هذا الشرق كما وصفه جبران، وبإلقاء نظرة تحليلية على الواقع في مجتمعنا العربي فإننا لا نعثر على أي أثر لشعور يجسم رغبتنا في تحدي الصعاب والعقبات التي تحول دون تقدمنا وأننا نجد أن العجز يتمثّل في ثقافة سائدة مفادها أنه إذا طلب من شخص ما أن يعمل على الإسهام في تقدم الأمة، يأتي جوابه المباشر (لا أقوى على ذلك)، وهذا ما يمكن أن نصنفه تحت مسمى الهروب من المواجهة والتنصل من المسؤولية وترك المهمة للآخرين - أي الاتكال على الآخر وهذا الآخر يتكل على الآخر وهكذا دواليك.

وحول هذا الموضوع يحضرني قصة لطيفة وهي أن جمعية قرَّرت أن تخصص صندوقاً للتبرعات الخيرية، واتفق أن يضع كل من يزور الجمعية درهماً ذهبياً شهرياً في ذلك الصندوق، ويشمل ذلك العاملين فيها، على أن يبدأ بذلك القائم على الجمعية الذي ذهب إلى الصندوق ووضع درهماً نحاسياً بدلاً من الدينار الذهبي، وقال في نفسه سيدفع الآخرون ديناراً ذهبياً ولا يهم أن أدفع درهماً نحاسياً، وكانت المفاجأة في آخر الشهر عندما فتح الصندوق، حيث إن الجميع وضعوا درهماً نحاسياً، وكان كل منهم يقول سيدفع غيري ديناراً ذهبياً وهنا يبدو أن ذلك ينطبق على الفرد العربي حيث يقول: دع غيري يفعل ذلك. وأن مثل هذا الأمر أمر طبيعي وليس من المستغرب أن تسود مثل هذه الثقافة لأننا من البداية يتعلم الطفل بأن يتحاشى المواجهة ويلجأ إلى طرف آخر لحل مشكلته، إننا نحرمه من روح الاقتحام، يتعلم طفلنا الانهزامية منذ صغره، يتعلم التهرب من المسؤولية، وإذا حدث شيء ما بين طرفين نجد التعليق على ذلك (فخار يكسّر بعضه) أي أن صاحب التعليق يرفع المسؤولية عن نفسه، ما هذا! والعبارة المألوفة لدى المواطن العربي (أنا لا يخصني الأمر) (ليس لي مصلحة) وهكذا نجد أن الفرد في المجتمع العربي لا يفكر إلا في تأمين مصالحه الخاصة، ومن الأمثال التي يرددها الإنسان العربي (امش الحيط الحيط وبالله السترة) وهذا يعني أنه يواجه الحياة بصورة دفاعية ويتحمل آلام الحياة بكبت داخلي. المجتمع يحل روح الخضوع محل روح الاقتحام وروح المكر محل روح الشجاعة، وروح التراجع محل روح الإقدام مطبقاً القول (اليد التي لا تستطيع أن تكسرها بوسها) وادع عليها بالكسر، وأما مقارعة الخصم إذا كان نداً فإن ذلك لا يحدث تحت حجة (العين لا تقاوم المخرز) وبدلاً من ذلك فإن الناس يواجهون من هو أضعف منهم. وهكذا نجد أن المواطن العربي فريسة اتجاهين متناقضين، فهو من جهة أولى مدفوع بنزعة فردية عمياء تجعله يخرج عن المجتمع ويناقضه، ومن جهة ثانية تحركه نزعة جماعية تجعله عاجزاً عن العيش دون الالتحاق بالجماعة أو بمعنى آخر الاعتماد عليها. الفرد في مجتمعنا العربي لا يكاد يخرج من إطار العائلة ويحوز على شيء من الاستقلال حتى ينصرف بكل قواه إلى رفع شأن ذاته والتعويض عما فاته ويتحرك لإبراز ذاته على حساب الآخرين بغية تحقيق أهدافه، حتى إذا كان ذلك على حساب مصلحة المجتمع، إذ إنه بالنسبة إليه فإن مصالح الآخرين ومشاعرهم تندرج تحت (أمر ثانوي) لا يعيره أي اهتمام إلا إذا ارتبط بمصالحه ومشاعره.

والجدير بالذكر أن اللطف والمسايرة اللذين يميزان سوقنا الاجتماعي عندما نلتقي وجهاً لوجه هما وسيلة لإخفاء النزعة العدوانية التي تكمن تجاه الآخرين، ومن المفاهيم التي تحكم علاقاتنا الاجتماعية مفهوم (نجاح أخي يعني فشلي) بدلاً من أن يكون نجاح الأخ والقريب مدعاة للفخر والاعتزاز، وبالعكس فإن نجاح الأخ يخلق في نفس الفرد شعوراً غامراً بالقلق والغيرة لأن من أوائل الأشياء التي يتعلمها الطفل في عائلته هو (نجاح أخي يعني فشلي)، حيث نربي أطفالنا على المنافسة بين بعضهم البعض ويتعلم أولادنا منذ الصغر اغتياب الأصدقاء والأقرباء وكيف يظهر الإنسان ما لا يضمر.

وإضافة إلى كل هذه الأمراض الاجتماعية هناك مرض الرضا عن الغرب والإعجاب به، إذ إننا لا نزال حتى اليوم نتخذ في حياتنا اليومية أنماطاً ونماذج نستمدها من الغرب دون تفحصها أو تقييمها، وأصبحنا ننظر إلى المواطن الغربي وكأنه قد خلق من طينة غير طينة البشر، ويتمتع بجبلة غير جبلتنا وكأن كل همنا الأول والأخير، بوعي أو دون وعي أن نحظى برضاه وإعجابه، ومن هنا فإن الشرط الأول لمجابهة التحدي الحضاري هو التغلب على شعورنا بالنقص وهنا أسأل: لماذا لا نسعى جاهدين للظهور بمظهر لائق أمام الغرب، ولا نفعل ذلك بين بعضنا البعض؟ هذا سلوك يجب أن نتخطاه ويكفي أن نذكر أن مساهمتنا في العلوم التطبيقية والاجتماعية هي صفر، لماذا؟ لا يمر يوم في اليابان إلا ويسجل مواطنوه عشرات براءات الاختراع. فأين نحن؟




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد