Al Jazirah NewsPaper Monday  02/11/2009 G Issue 13549
الأثنين 14 ذو القعدة 1430   العدد  13549
لحروف المجد إيحاؤها
د.عبدالله الصالح العثيمين

 

للأتراك في تاريخ أمتنا المسلمة دور له إيجابياته وسلبياته، والحديث عن ذلك الدور في العصور العباسية المتعاقبة يطول، وفيه من الإيجابيات والسلبيات ما فيه. وكان من إيجابيات ذلك الدور، بعد تلك العصور، تزعم من تزعم منهم القيادة ....

لتحرير بقية أراضي فلسطين من الفرنجة وصد هجمات التتار. ومن إيجابيات ذلك الدور، أيضاً، إقامة دولة تمكنت في نهاية صراعها مع البيزنطيين من القضاء على هؤلاء الذين كانوا أعداء للإسلام والمسلمين. وكان استيلاء محمد الفاتح - رحمه الله - على القسطنطينية (إسطنبول) نقطة تحول عظيمة لا في تاريخ الإسلام فحسب، بل في التاريخ العالمي. ثم تلا ذلك ما تلا من توغل عثماني في أوروبا ونشر للإسلام هناك.

ولم يقتصر الدور الإيجابي للدولة العثمانية على ما سبق ذكره، وإنما امتد ليشمل إضفاء حكم على أقطار عربية كانت متفرقة، ودفاعاً مجيداً ضد غزوات أوروبية معادية كان في طليعتها غزوات برتغالية لمناطق في جزيرة العرب، شرقاً وغرباً. وكان لدخول الحرمين الشريفين تحت الحكم العثماني ما له من أهمية لا بالنسبة لمدافعة الأعداء من البرتغاليين عن الأراضي المقدسة فحسب، بل ولما ترتب على ذلك من إصلاحات كبيرة في الحرمين والبلدتين المقدستين: مكة والمدينة.

على أن الإيجابيات التي انداح مداها أيام مجد الدولة العثمانية العظيم توقف منها ما توقف، بل وحل محلها بعض السلبيات. ومن هذه السلبيات - بالنسبة لوطننا العزيز بالذات - ما اتخذه القادة العثمانيون من موقف عدائي ضد الدولة السعودية الأولى، التي قامت على أساس ما نادى به الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - من إصلاح. فلقد حاربوها عن طريق ولايتهم في العراق، ثم عن طريق ولايتهم في الحجاز، وقضوا أخيراً عليها عن طريق واليهم على مصر، محمد علي باشا. وفي بداية عهد الملك عبدالعزيز، مؤسس الدولة السعودية الحالية، التي تنعم بظلها، لم يكن موقفهم موقفاً موفقاً، بل كان موقفاً مناصراً لخصوم ذلك المؤسس وإن نجح الطرفان، في نهاية المطاف، في الوصول إلى تلافى ما حدث عن عدم التوفيق.

وفي بدايات القرن العشرين الميلادي كانت عواصف الرياح القومية قد وصلت إلى ما وصلت إليه من انتشار بين فئات أغلبها متنفذة، فكراً ومكانة اجتماعية داخل تركيا. فكان أن توهجت القومية التركية، وعبرت عن توهجها بتبني حركة تتريك للدولة وكل الأقطار التي تحت حكمها، إدارة وتعليما. وتوهج قومية يؤدي، في كثير من الأحيان، إلى توهج قومية أخرى. فكان أن ظهرت مشاعر قومية عربية، واتخذت هذه المشاعر توجهين: أحدهما معتدل كان يرى المطالبة بحقوق العرب السياسية والثقافية في ظل الدولة العثمانية. وكان من أقطاب هذا التوجه عزيز المصري. وثاني التوجهين كان يرى السعي إلى الاستقلال عن حكم الدولة العثمانية، أو بالأحرى الثورة ضدها. ومن سوء الحظ أن أصحاب التوجه الأخير انخدعوا، فوضعوا أيديهم بأيدي قادة الدول الاستعمارية الغربية، بخاصة الدولة البريطانية، التي من أبرز صفاتها المكر والخداع. وحدث ما حدث مما سمي بالثورة العربية، وانتزعت الحجاز والعراق والشام وفلسطين من حكم الدولة العثمانية. وأصبحت العراق وشرق الأردن وفلسطين تحت حكم بريطانيا، وسورية ولبنان تحت حكم فرنسا.

أما الشريف (الملك) حسين، - رحمه الله - فقد منع من أن يعيش مجرد عيش فوق أرض عربية، وهو الذي وعده الماكرون أن يكون ملكاً للعرب في الأراضي التي تنتزع من العثمانيين. ولقد سمع الملك عبدالعزيز - تغمده الله برحمته - وعوداً من الرئيس الأمريكي روزفلت بشأن قضية فلسطين بالذات، لكن تلك الوعود ذهبت أدراج الرياح. وما زال قادة عرب يستمعون إلى شيء من تلك الوعود دون أن تتحقق.

ومن الثابت أن السلطان العثماني - بالرغم مما تعانيه دولته من أوضاع صعبة - كان قد رفض رفضاً باتاً أن يمد يده للصهاينة الطامعين حينذاك في احتلال فلسطين. ثم دارت الأيام دورتها وإذا بفلسطين تقع فريسة لأولئك الصهاينة بعد أن هيأها البريطانيون مسرحاً لقيام الكيان الصهيوني وبدعم غير محدود من المتصهينين في أمريكا.

وظلت دورة الأيام تدور. ووصلت الأوضاع في الأقطار العربية إلى ما وصلت إليه من سوء. فلا قيادة قادرة على أن تكون لها إرادة حرة متحررة من إملاءات أعداء أمتها في زعماء الدول الكبرى، ولا شعوبها قادرة على أن تكون لها كلمة مسموعة فاعلة لدى تلك القيادات.

وكان تحطيم الإدارة الأمريكية المتصهينة، عام 1991م، لقوة العراق التي كانت الخطر الإستراتيجي الحقيقي على الكيان الصهيوني من أكبر الخدمات، التي قدمتها تلك الإدارة لهذا الكيان. وعندما قررت إدارة بوش الابن إكمال تحطيم ما بقي من تلك القوة العراقية باحتلال العراق نفسها رفض القادة الأتراك أن تكون بلادهم منطلقاً لطائرات تلك الإدارة العدوانية. لكن أراضي عربية أصبحت هي المنطلق لتلك الطائرات كي تحتل قطراً عربياً وتفعل في ربوعه الأفاعيل مما لا يتجاهل فظاعته إلا من أعمى الله بصائرهم.

وبعد سنوات من ذلك الاحتلال المدمر ارتكب الصهاينة ما ارتكبوا من جرائم حرب فظيعة ضد غزة وأهلها. ولم يرَ المرء موقفاً سياسياً مشرفاً لدولة إسلامية مثل موقف الدولة التركية. وإذا كان رفض قادة تلك الدولة أن تكون بلادهم منطلقاً لطائرات أعداء أمتنا لاحتلال قُطْر من أقطار هذه الأمة وتحطيمه أمراً يستحق الثناء والتقدير فإن موقفهم الشجاع تجاه جرائم الصهاينة في غزة ترك أعظم الأثر في ضمائر المسلمين، واحتل مكانة جليلة في نفوسهم، ثم أتى موقفهم الأخير المتمثل في رفضهم أن يشترك طيران الكيان الصهيوني في المناورة الجوية فوق الأراضي التركية ليضيف تقديراً إلى تقدير وثناء إلى ثناء لدى المخلصين من أمتنا المسلمة. وبمقدار ما كان من أثر إيجابي في نفوس هؤلاء المخلصين نتيجة لموقف قادة تركيا المعبرين بموقفهم النبيل عن مشاعر شعبهم المسلم كان الأثر السلبي نتيجة مواقف من وقفوا مواقف سلبية من قادة أمتنا العرب تجاه الجرائم الصهيونية.

وما كان الأمر ليقتصر على ذلك كله، وهو عظيم عظيم. بل إن بشائر التوفيق في اتخاذ مواقف عظيمة أخرى قد لاحت في الأفق. فالتقارب التركي السوري، وملامح التقدم في حل قضية الأكراد في تركيا، أمران في غاية الأهمية، ودليلان على اتخاذ بعض قادة أمتنا المسلمة طريق الرشاد والتغلب على العقبات.

كم يود المرء أن لا يتسلل إلى نفسه شعور بفقدان الأمل في تحرير فلسطين من الصهاينة على أيدٍ عربية، وأن يبقى الأمل معقوداً فقط على ورثة من حرروها من الفرنجة في زمن مجيد ما زالت حروف مجده مشرقة في سفر الخلود.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد