إن من أعظم نعم الله تعالى على العبد المسلم أن يرضى بالله ربا كمال الرضا. فيرضى ويصبر على قدره. ويصدق بخبره. وأن يجد صدره منشرحا
ونفسه مطمئنة منقادة لما جاء في الكتاب والسنة فلا يجد في صدره حرجاً من حكم الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم -كما قال ربنا عز وجل: (كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ) (2) سورة الأعراف. وقال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) (65) سورة النساء. وقال سبحانه: (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ) (30) سورة الحج.
فمن وجد من نفسه ذلك فليحمد الله على هذه النعمة العظيمة وليكثر من شكر الله تعالى ويسأله الثبات فإن من عباد الله من يجد في صدره حرجاً وعنتاً تجاه أحكام الله تعالى ولا تطيق نفسه القيام ببعض العبادات أو كلها. قال تعالى عن الصلاة: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) (45) سورة البقرة. أي شاقة ثقيلة إلا على من يسرها الله تعالى عليه من عباده الخاشعين. ومن كان كذلك فعليه أن يبادر ويفر إلى الله ويدعوه ويتضرع إليه - وخصوصاً في أوقات الإجابة - أن ييسر الله عليه الاستجابة لأحكام الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم -قبل أن يستفحل الداء ويعز الدواء ويدركه الموت وهو على حالة سيئة من ظلمة القلب وثقل العبادات والاعتراض بعقله القاصر على شريعة أحكم الحاكمين. وقد ورد في الحديث الصحيح (ويسر الهدى لي) رواه البخاري في الأدب المفرد.
أقول هذا الكلام تعليقاً على ما كتبته الأخت فاطمة العتيبي في العدد 13479 في 3-9- 1430هـ حيث قالت: (أما هذا الاتجاه الذي كان يضج فيه زائرو الحرم حيث تظهر الفرقة بين أماكن النساء والرجال. وحيث تُقصى النساء إلى الخلف مهما حضرن باكراً. ويمنعن من الصلاة عند المقام، فإن ذلك مما يضع تساؤلات عدة حول قيمة الإنسان بوصفه إنساناً في الحرم المكي بغض النظر عن جنسه وجنسيته ولونه) ا.هـ.
فماذا تريد فاطمة من هذا الكلام؟ هل تريد أن تصف النساء بين الرجال وأمامهم؟! وعندما يطلب الإمام من المأمومين تسوية الصفوف والتقارب فهل تقترب المرأة من الرجل وترص جسدها بجانب جسده وكتفها بكتفه حتى لا تدع فرجة بينهما.
ونحن نعلم من دين الله تعالى الفصل بين صفوف الرجال وصفوف النساء. قال عليه الصلاة والسلام: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها. وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولاها) رواه الإمام مسلم وأصحاب السنن.
وعن أنس رضي الله عنه قال: (صليت أنا واليتيم في بيتنا خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمي خلفنا أم سليم) رواه البخاري. واتفق فقهاء المسلمين على أن صفوف النساء تكون خلف صفوف الرجال. قال ابن قاسم في حاشية الروض: (وتأخيرهن لا نزاع فيه)ا.هـ.
وهذا الترتيب فيه حفاظ على كرامة الرجل والمرأة وذلك بإبعادهم عن أسباب الفتنة التي تؤدي إلى الذلة والمهانة. ولكي يتفرغوا لما جاءوا من أجله من عبادة الله تعالى.
والله تعالى هو الذي كرم الإنسان - رجالاً ونساءً - ورفع منزلته وأسجد لآدم عليه الصلاة والسلام ملائكته الكرام. قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (70) سورة الإسراء. وهو الذي جاء في شرعه - سبحانه وتعالى - أن تكون صفوف النساء خلف الرجال فلو كان هذا منافياً لكرامة الإنسان لكان في هذا تعارض وتناقض.
وهذا محال (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) (82) سورة النساء.
ثم قالت فاطمة في ختام مقالها: (فهذه مساجد الله وهنّ إماء الله).
وأقول: إذا كانت النساء هن إماء الله فعليهن أن يتقين الله وأن يلتزمن بأحكام الله.
وقد سبق أن قرأت للأخت فاطمة مقالاً في عدد سابق من جريدة الجزيرة تدعو فيه إلى تفسير النصوص الشرعية الواردة في شأن المرأة تفسيراً جديداً. وهذا بصريح العبارة معناه: التحريف المعنوي للنصوص الشرعية.
فاتقي الله. يا أمة الله. واعلمي أن الدنيا زائلة فماذا ستقولين لله؟!
إبراهيم بن علي القيشان
عنيزة 51911 ص.ب: 5415