لعل الكثير يتفق بصورة أو بأخرى على خطأ البعض في تبني الوقوف في وجه التغيير لمجرد الخوف أو عدم التقبل أو أنه يعد توجهاً ثقافياً يشمر له الساعد، والواقع أنه قد يكون في جزء منه جهل أكثر منه مستوقف بتمعن ودراية. فالذي يرفض ويستمر في الرفض سوف يجد نفسه في وقت ما في معزل عن تطور أو نسق بنائي هو أحوج ما يكون إليه. وهذا يحدث لأن البعض لم يع الفرق الواضح بين هدم الكليات المعتبرة في الثقافة وبين تنويع الفهم للأشياء بإدراك الحاضر بصيغة لا تختلف في مسلماتها عن المسلمات التي ينشأ عليها الشباب أيدلوجياً وثقافياً. وإن كان هذا الأمر يتطلب الحيطة في مجملها فالأفكار والشعارات والاتجاهات قد تتلون بما يكفي لقبولها دون الشعور بخطورتها. ولا شك فإن تفهم احتياجات الشباب واحتوائها غاية في الأهمية خاصة ما يتعلق بأمورهم العلمية والفكرية والدراسية. ذلك أن مرحلة الشباب هي المرحلة التي يخلق فيها الحد الأعلى من القدرة على المواجهة التي تصل إلى مستوى ليس التحدي فقط بل واستباق الاحتمالات والتغييرات. فالشاب جامح في فكره وفي مقدرته وحيويته في هذه السن والاحتواء والتفهم بصيغة متفق عليها تعد موجهاً ومعيناً في ترسيخ المبادئ والأخلاقيات كما تسهم في تفعل جوانب الشخصية السوية في مواجهة تحديات الحياة التي منها الانفتاح الحاد في قاعدة التلقي من الآخر على خلفية ثورة الاتصالات المفتوحة. هذا الانفتاح قد يسهم في جزئيات منه في هدم المعاني البينية للتوجهات الصحية سواء على مستوى الأخلاقيات أو التوجهات أو تجذير المعاني الثقافية ومكوناتها الأمر الذي يساعد على خلق جيوب تكون بمثابة بؤر راكدة ينساب منها التكوين الأساس للتفكيك الممهنج لكل ما يمثل وحدة أو ركناً في هوية الشاب بعد نثر الكليات المعتبرة في تشكيل وبناء شخصية الشاب إلى حيثيات يسهل النفاذ منها وتمرير اصطلاحات لا تتفق مع ما يفترض احتسابه تنوعاً أو تطوراً ولو حتى كمياً في مسائل التثقيف والانفتاح على الآخر. ومن هنا فإن هناك أموراً عدة يجب اتخاذها والعمل بها مع الشباب لأنك أولاً لا تستطيع أن تمنع السيل الجارف من كمية المعلومات الوافدة كما أن البديل المفترض لما تريد تغييره إن وجد قد يكون مسبوقاً في مجال ما فضلاً عن قوة الأساليب المستخدمة في الإقناع من قبل الآخر. والمورثات والكليات البنائية المحيطة بالحياة اليومية للشاب تستمد حصانتها من الوازع الديني وعلاقة الشاب بربه ونفسه والآخرين، والتي تعد حلقة وصل تحتاج للمراجعة دائماً، وتحت تأثير التنوع الثقافي والتدفق المتلاحق للمعلومات غثها وسمينها لابد وأن تزيد درجة الحفاظ والاهتمام بالشباب وتفهم احتياجاتهم ونزع فتيل الكبت إلى باحة أوسع وأرحب للقضاء على كل مسبب للثورة غير المتزنة في زمن لا يتحمل أكثر من المعقولية في التعامل مع الشباب والشابات. كل ذلك لحمايتهم ولوقايتهم من كل ما يشكل منفذاً للخطر على أذهانهم وعقولهم وأفكارهم. كما ولابد من تحصينهم من العبث الفكري والتضليل الانحرافي الذي يستهدف في المقام الأول العقيدة والأخلاق وهما أبرز ما يعنى به الإنسان من خلال حرمة وأهمية الضرورات الخمس الدين والعرض والنفس والمال والعقل، والعمل على توفير كل ما يكفل الحفاظ عليها والتعرف على جوانب الضعف منذ بدايتها لدى شريحة الشباب عموماً بعين تربوية تعليمية فاحصة ثم يعمل على تقويتها ومدها بجسور موصلة إلى ساحة آمنة من التوازن العقلي والذهني في التعاطي مع الأمور الفكرية والثقافية. وهنا لابد من مراعاة جانبين هامين وأخذهما بعين الاعتبار وهما تسخير الثورة العلمية والاتصالات والإعلام بشكل عام والاستفادة منها ومن خدماتها. ومراعاة الجوانب السلبية التي قد تظهر من هذه الوسائل والتخفيف من تأثيرها على تفكير وتطلعات الشباب بمعرفة المفيد وتجنب الضار وتوسيع دائرة الفرز والتنقية. إن المجتمع والأسرة والمنزل مطالبون بتدارس صياغة تربوية تعليمية تقرر من قبل الجميع بالتعاون الإيجابي لتكون أساس التنظيم والتحديث لكل مستجدات الواقع في الوقت الراهن وطرق التعامل معها. ولابد أن يعرف الشباب ماذا يريد منهم الغزو الفكري وكيف يتعاملون معه حتى لا يقعوا في حيل الخدع والمكر الذي يخطط له أعداء المجتمع والدين فضلاً عن أن رقي النفس وسموها يتطلب نفساً وباعاً طويلاً من الخطى الوثابة من قبل المسؤولين وصناع القرار.
(*) رئيس قسم الشؤون الإعلامية مكتب وكيل الجامعة للدراسات والتطوير والاعتماد الأكاديمي