بقلم: د. وليد طلعت
صدر عن دار الكفاح للطباعة والنشر المجموعة القصصية الأولى للشاعر صالح الغازي بعنوان تلبس الجينز وذلك بعد صدور ديوانيه الشعريين الروح الطيبة ونازل طالع زي عصاية كمنجة.
جاءت المجموعة في 17 قصة قصيرة تنوع فيها الأداء السردي واختلطت فيها لغة الشعر بالنثر اختلاطا مثريا، كما تنوعت القصص في الطول وإن غلب عليها القصر لتصل إلى أقاصيص شديدة التكثيف في بعض الأحيان كما في (المنعنع وصل) و(من يزرع الأشجار).
يعمد الكاتب بلغة سلسة إلى تعرية ذوات شخوصه والقبض على حالات اغترابهم ففي (خارج البيت لا يوجد أحد) نلمح الحميمية المشتهاة في مواجهة الاغتراب الخانق، تتوحد البطلة مع الطبيعة، مع الأشجار والشارع (هل يدري أحد أن خارج البيت لا يوجد بشر.. سيارات متكئة على الرصيف وقطط وحجارة.. لا يوجد إلا الشجر مالكا للشارع) (تشعر أن الأشجار استحالت إلى راقصات باليه)، تختلط نبضاتها بدقات ساعة الحائط بينما تملأ فراغها بانتظار لا يعرف أحد متى سينتهي.. لتنتهي القصة بعد أن أجابت على سؤال بدايتها الشائك.. (هل يفكر - البلهاء - في المرأة أنها جسم فقط؟) لتعلن لنا (أن القلوب المرهفة لابد أن تواصل) وأن (غدا أو بعد غد قد تنتهي، لكن تذكر جيدا أنه لن يبكيك إلا من رطبت قلبه) إذن فالحياة الندية مفعمة بالشوق والانتظار بطراوة اللقاء وبالتسليم لمن نحب، لنغلب غربتنا لابد وأن (افتح النوافذ واستقبل العطر، اترك رذاذ الفجر يحنو علي خضارك) يستمر هذا الاغتراب في نص (كانت تلبس الجينز) لكنه هذه المرة هو اغتراب الذات ليس فقط عن الآخرين ولكن عن نفسها أولا فبعد الأماني وتصبير النفس بتحسن الأحوال والتغير للأفضل تنهزم الذات وتتشوه متحولة في النهاية إلى مجرد إطار ميت (باب الشقة مغلق عليها كبرواز وشريط حريري أسود رفيع يزين أسفل ركنه الأيسر)؟ إنه الموت إذن وإن كان موتا معنويا ذلك الذي يلحق بالذات بعد أن (ما حدث أنها هي التي تغيرت فبدلا من لبسها للجينز والبلوزات الضيقة... صارت ترتدي جلابيب واسعة مرسوما عليها ورد باهت كبير....
ومن الموت المعنوي إلى الموت الفعلي تنتهي بطلة قصة (وكانت تصبغ شعرها بالأصفر) حيث يستدل الناس على موت البطلة بعد ثلاثة أيام من وفاتها حين شم الجيران رائحة العفن.. القصة تقدم حكاية أم مسكينة تحاول تجديد شعورها بالشباب بمجرد تجديد صورتها الخارجية بالثياب وصبغ الشعر بالأصفر بينما هي تفقد ذاتها ويتسرب منها مع العمر الزوج الذي لا يستطيع المواصلة مع سطحية الحياة وطريقة العيش، هي تختار العطاء وتحاول المنح وتصليح الأوضاع من أجل سعادة البن الذي يلتقط زوجته (أو تلتقطه هي) عبر البلوتوث بالمول التجاري، ليرصد لنا الكاتب كيف تسطحت حياتنا مع غلبة ثقافة التيك أواي والاستهلاك والمظهرية الكذابة، فيستحيل ولدها ديك الرومي المدلل العاطل بلا عمل والذي انتقى عروسه (هدية بلوتوثه) بعد ليلة ممتعة قضاها معها، هذا الابن الذي زوجته في بيتها رغم معارضة الأب وخسارتها له يصرخ فيها في النهاية بعد أن مل دمية البلوتوث الجميلة، ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد بل تقتلها عروس الحلوى التي استضافتها في بيتها زوجة لابنها بالصراخ (كل هذا منك أنت يا حيزبون..... لن أجلس معك في بيت واحد.. لو يريدني يجهز لي بيتا وحدي.. ويجد له عملا هذا العاطل).
وفي (مثل سيدة عادية) تتصاعد وتيرة الاغتراب والوحشة وسط الناس - الزملاء في العمل الجديد التي انعزلت عنهم لأنها رأتهم يقدسون النميمة - وهي امرأة تمني نفسها بالطفل الحلم وتتفجر سعادة بينما تنتظره (إنه فقدان الاتزان الذي يحسه المرء عند مفاجأة السعادة) تستسلم للتغير ولا تستطيع مقاومة الخلطة بالناس لتحكي لهم وتسمع منهم عن الحمل وأوجاعه وملابس الطفل وغير ذلك لكنها وبعد شهر واحد هو نصيب الولود من الحياة يتركها لتعود حياتها أسوأ وحين تعود لروتين الحياة والعمل، حين تعود إلى الناس (اشتمت نفس الرائحة العفنة، صوبت نحوها العيون الحادة وانهالت الأسئلة من نوع.. كيف حال المولود..؟ لماذا لم تحضريه معك...) فيا له من جحيم.
تصوروا إذن معي هذا الرجل البسيط في (سترك يا رب)، العامل الذي يغلف المشتريات حين يشرد ويشخبط بقلمه على الورق أمامه كما اتفق.. اسمه عنوان المحل رقم هاتفه يرسم الحروف مضيعا الوقت لينتهي (فرقع لوز) كما يسمونه في القصة وسط سخرية واستهزاء وتخويف زملائه، لماذا.. لقد لف في الورق التي كتب عليها اسمه ورقم هاتفه بضاعة حريمي.. ملابس نسائية ومن اشترتها؟.. زوجة المعلم أكبر تاجر سمك، فبدلا من أن يحايلها فرقع لوز ليحصل على الإكرامية تنتفض أوصاله ويرتعش كلما دخل أحدهم المحل. فهل نضحك؟ أم نبكي..؟
ولنتابع لعبة التواصل البشري المفقود نقرأ معا (لو فتحت باب شقتها) لنرى الجار الذي يفر من جارته الوحشية التي استيقظ وأهله على سبابها لزوجها ونصبت له كمينا مع أمها وانهالتا عليه بالأحذية ورفعتا عليه السكين ليعود بالشرطة تمكنه من الدخول ويصر على الذهاب لقسم الشرطة وهي بقميص النوم.. هذا الجار يخرج لشراء حاجيات بيته متهربا كمن ارتكب جرما خشية أن تفتح الباب..... وتطلب منه شيئا لغياب البواب (هل ستتركني لحالي... قد تهينني.... ركبتاي كادتا تخوناني.. رمحت كحصان في سباق ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أغادر..).
أما (كوكو التي اصطادت شوشو) فهي نموذج آخر من نماذج النساء العصريات اللائي يجدن إغواء الرجال ويتقن في إبداع تافه مستخدمة كل الأسلحة العصرية من العطور الجذابة إلى الصوت الرخيم والتمثيل المتفاعل مع الأحداث بمهارة أنثى جائعة لتسود عيشة شكري ?شوشو- مع زوجته وتطلق عليه أسلحة جسدها مسيطرة عليه وغيره بجاذبيتها الهستيرية العصرية المصطنعة.
(اكتفي بهذا القدر).. ترصد لنا ظروف الشباب الصعبة وسطوة الشركات الكبرى وتحكمها في مصائر الشباب البسطاء الذين يتركون مدنهم وقراهم سعيا وراء لقمة العيش وأملا في تأمين ظروف العيش البسيطة، تتقشف الشركات لتحافظ على الأرباح والمكاسب وتدهس في طريقها أحلامهم بالبيت والاستقرار.
كما يدهس الزملاء أحلا م أبو عطيات ?مجرد الفرصة للفرجة على المباراة -، الإذن لنصف يوم هو حلم بسيط لرجل بسيط ينتهي بالغضب العارم (إيه.. فاكريني ايه ؟ محتاجين إيه؟ أخدمكم وانتوا ما بتقدروش.. ما بتحسوش...... أنا بني آدم زي أي حد فيكم... كلكم ما بتفهموش..).
تنساب الحالات الإنسانية محملة بالحلم والوجع بالشهوة للتحقق وبالفشل المروع بالغربة والفقد بالأمل الحذر والفرح المأمول والاصطدام بالأشجار التي تنتهي بها الطرق.. يتساءل الكاتب في نهاية قصته (من يزرع الأشجار..؟) كأنه ولتراكم سوء الحظ يشك في يد خفية تتتبعه وتغرس شجرة ينتهي بها كل طريق أمل يسلكه فيقول (هل ستنتهي الأشجار فتصل بطريق إلى مكان ما.. أم أنك ستدرك أن الطريق ذاته ليس هو الهدف.. يالها من أحلام قاسية..
فهل نستسلم أم نخضع ل (نزوات الكبار) الذين باعوا كل شيء في المزاد العظيم.. باعوا مفاتيح الحكمة والثروة والحضارة، لتعلق على الجدران الفخمة بجوار سيوف الفرسان.. أم نحاول الحياة، نصنع عالمنا الخاص الذي نتخذه درعا في مواجهة الجميع.. كالمنعنع، ذلك الذي فشل في إحداث تغييرات كبرى بحياته، فقام بتغيير صغير يسعد ويفرح به.
هذه قراءة بسيطة لبعض قصص هذه المجموعة الثرية، قراءة متوجعة لوجود يغلب عليه الاغتراب ولم يفقد بعد رغم كل شيء حقه في الحياة والفرحة، حتى تلك التي لا تكتمل.
* شاعر وكاتب وطبيب نفسي