قد تكون هذه المقالة في هذا العدد (نظرية) أو (تنظيرية) وربما يصفها ذوو الأفق المحدود باستعراض المفردات الغارقة في رمزية التخصص الذي قد يستعصي على الكثيرين، غير أني أراها مشاعر وأحاسيس في أعماق ذلك المخلوق الجميل وعبر قربي اليومي منه ومحاكاته بلغته الصامتة والجميلة، (أوَليس في الصمت حكمة)، وكما تقول الحكمة الفرنسية أيضاً أن (الفم المغلق لا يدخله الغبار) خصوصاً أن غبار مزارع الجنادرية عرف عنه بإثارة أشرس أنواع الحساسية المفرطة إلى حد البحث عن الأدوية المسكنة وما أدراك ما المسكنة في عالم الخيل المبروكة.
الحصان وبضمير المذكر العاقل لا الضمير المذكر غير العاقل هو محور هذه المقالة.. وباعتباره كائناً حياً ذا مشاعر وأحاسيس، والسبب في ذلك أن الفكرة التي سأعرضها تفترض أن لدى الحصان أشياء سيقولها وسيشكو منها فيما لو قدر له أن يتكلم، من هذا المخلوق استعار الإنسان بعض الصفات تماماً كما يستعير صفات من كائنات أخرى مثالاً على ذلك أشتق الإنسان صفة: التعدي من النمر، والرغبة في الترؤس من الأسد، والدهاء من الثعلب (أبا الحصين) والإخلاص من الكلب، وإذا استرسلت في هذه الأمثلة يتضح لك الشبه ما بين الحصان والإنسان.
الحصان في حالة مستمرة من الخوف، هذا الخوف الذي يستحسن تسميته بالقلق وخوفه هذا ليس له هدف محدد أو مصدر ما، فأية حركة أو نبرة صوت تدفعه إلى الهرب، فالقلق طبيعة لا شعورية تستعمل للمحافظة على النفس من خطر منظور، ووفقاً لذلك فإن القلق يدفع الحصان إلى الهرب لحماية نفسه.
وعلى مر العصور لازمت هذه الصفة الحصان حتى غدا رمزاً للحرية بسبب جريه المستمر عكس الرياح، والناس لا يدركون أن هذا الجري مبعثه (جنون العظمة) ورفض الاضطهاد.. هو يجري هرباً من الآخرين وليس باتجاههم!! وهو لا يشعر بالأمان حتى أننا نتساءل عما إذا كان مذنباً؟ وهذا ليس من الواقعية أن نعتبر الحصان مذنباً، إلا أن سلوك الدفاع عن النفس بصورة مستمرة يولد شعوراً بالذنب وهذه الملاحظة ربما يدعمها قانون الاختيار أو الانتقاء الطبيعي.
إذا كان الخوف والقلق والشعور بالاضطهاد ساعدت الحصان على البقاء والتغلب على المخاطر وبالتالي المحافظة على جنسه، فإن هذا السلوك يعتبر فاعلاً، ولو تطرقنا إلى (رمز الحرية) وذلك التشابه السلوكي بين الإنسان والحصان لوجدنا أن الصفة المستعارة من الحصان وهي الذنب والخوف وقد تسامت إلى (حب الحرية) لأول وهلة ولا تبدو هذه المعاني متقاربة.
على كل حال ليس حب الحرية سوى الرغبة في التهرب من الواجبات والالتزامات وبالتالي من كل حالة تضع الإنسان أمام الامتحان، وهذه الملاحظة تبرر الصلة التي وجدت بين الحصان والعصر (الرومانطيقي) لذلك فإن ما لدى الإنسان من الحصان هو مبدأ كامل من التحليل النفسي.
الحصان لديه حاجة إلى التبعية!! والانتماء الى مجموعة كبيرة اولى آخرين للاهتمام به، وهذا نلحظه في الخيل الموجودة في بوايكها بالإسطبلات وحاجتها للعناية من المدرب وخصوصاً (السايس) وعندما يتم إشباع حاجتها إلى التبعية يفسح ذلك المجال أمام الكسل والتقاعس!
ركوب الخيل مبني على اللطف والحزم والتحفز وينبغي تعويد الجواد على فارسه أو مشغله! وهذا الأخير مطلوب منه اللطف في معاملة حصانه وعليه أن لا يشعر حصانه بالأمان التام!! وإلا أصبح الحصان اتكاليا وغير منتشٍ! وهذا لا يتم إلا بالحزم وإثارة القوة والنشاط وضبط استعمالها.
إن حيوية الحصان إن كانت في تمارينه أو سباقاته لا تتماشى أو تختفي من تلقاء نفسها، بل تتبدل من حال إلى أخرى، هنا يأتي دور الجوكي أو المشغل الخبير والشاطر الذي يمكنه تحويلها إلى حال يرغبها ويظهر ذلك جلياً من خلال الطرود والتراحيل... الخ. وقبل ذلك كله التأسيس السليم والنشأة السليمة منذ نعومة ذلك الفلو حتى أصبح شاباً يشار اليه بالبنان، وما بين ضمير المذكر العاقل والجري (عكس الرياح) الاضطهادية يولد حب الحرية في أعماق الحصان والرافض بلا شك للتبعية والانهزامية.
المسار الأخير:
(سلوم الرجال الأوله تتعب التالين!!)
aLmedan8@gmail.com