Al Jazirah NewsPaper Saturday  25/10/2008 G Issue 13176
السبت 26 شوال 1429   العدد  13176
حديث الأسبوع
طبّ التحاليل المخبرية والصور الشعاعية
د. محمد غياث التركماني

دخل خالد إلى عيادتي وجلس على كرسي الفحص، ثم بدأ يسرد قصته عليّ منذ بداية معاناته مع المرض الجلدي الذي اعتلى جلده منذ سنوات وحتى الآن. وكنت أصغي إليه وإلى قصته بتفاصيلها الدقيقة كما يملي عليّ واجبي... وبدأت بفحصه ثم أخبرته أن ما يشكو منه هو (الإكزيما) وهو عبارة عن مرض جلدي شائع جدا بين الناس.

لكنّ خالد لم يكن راضياً تماماً عن التشخيص فلقد استغرق معه الوقت ربع ساعة شرحاً وتفصيلاً عن ذلك الطفح الجلدي الذي أصاب جلده في حين استغرق معي التشخيص دقيقة أو دقيقتين.

ثم سألني خالد كيف استطعت يا دكتور أن تصل لذلك التشخيص بدون فحوص مخبرية وصور شعاعية؟ فأخبرته أنّ معظم الأمراض الجلدية يتم تشخيصها بالفحص السريري والنظرة لا بالصور الشعاعية والتحاليل المخبرية.

الحقيقة أنّ هناك كثيرا من الناس لهم ولع بالتحاليل المخبرية والصور الشعاعية، وكأن المرض لا يشخّص إلا بها. لكن المعروف تماما أن أكثر من 95% من الأمراض الجلدية تشخص عادة من النظرة الأولى ولا تحتاج إلى أي إجراء مخبري أو صور شعاعية.

وأرى أن أكثر هؤلاء المحبين والسائلين عن التحاليل المخبرية هم أنصاف المتعلمين والذين لا يؤمنون بأن النظرة الجلدية وحدها من طبيب الجلد كافية بإعطاء التشخيص.

إننا نعرف جيدا أن التشخيص الصحيح يبنى على استجواب جيد للمريض من حيث المعرفة الدقيقة للقصة السريرية ثم بعد إجراء فحص طبي دقيق.

وفي طب الأمراض الجلدية بالخاصة يكون الفحص الطبي والقصة المرضية كافيان في إعطاء التشخيص الصحيح في أكثر من 95% من الحالات. وفيما بقي يستعين الطبيب فيها بالمختبر أو أن نلجأ أحياناً إلى استقصاءات أوسع في الحالات الصعبة والمعقدة. وللأسف فقد أصبح طب اليوم يعتمد اعتمادا كاملا على المختبر، وظهرت مجموعة من الأطباء يؤمنون بالنتائج المخبرية أكثر من ما يؤمنون بحدسهم الطبي. إذ إنهم يذكرون بكثير من الفخر أنهم قد حلّلوا وصوروا ولكنهم لم يجدوا شيئا وبذلك بعثوا الطمأنينة في نفس المريض.

وللأسف مرة أخرى أقول إن كثيرا من تلك الصور الشعاعية والتحاليل المخبرية ما كانت لتجرى إلا بهدف واحد وهو الربح المادي. وكم من التحاليل تجرى يومياً بمناسبة وبغير مناسبة وحتى بغير هدف واضح. وكثيراً ما أجد نفسي في جدال مع فئة قليلة من المرضى هؤلاء الذين يطلبون تأكيدا في التشخيص ظناً منهم أن التحاليل أو الصور الشعاعية هي الركن الأساس في الوصول إلى تشخيص دقيق.

أجزم أن الحدس الطبي إضافة إلى المعرفة الطبية والخبرة العملية هم الأساس في وضع التشخيص المبدئي لا الصور الشعاعية ولا التحاليل المخبرية.

هذا كله يدفعني أحياناً لأن أكون صلباً مع هؤلاء، رافضاً لأي فحص مخبري أو شعاعي لا يتطلبه الأمر ولا يستدعيه المرض. وصلابتي تلك تنبع من قمة الرضا والسعادة أيضا ما دمت أنني أشرح وأوضّح لمرضاي الأعزاء ما هو في صلب الحقيقة.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد