يحق لكل مواطن سعودي -بل ولكل مسلم وعربي أينما كان- أن يعتز، ويفتخر بما وصلت إليه المملكة العربية السعودية من تقدم عظيم، وتطور كبير، ونهضة شاملة في جميع المجالات والميادين الحيوية، سواء منها العلمية، والاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والصحية، والبنى الأساسية والتحتية، مما جعلها من أكثر دول العالم نمواً، وتطوراً، وتقدماً، وازدهاراً، الأمر الذي بوأها مكان الصدارة والريادة بين الدول العربية والإسلامية، وأحلها في الصفوف الأولى بين دول العالم المتحضر، وأكسبها ثقلاً سياسياً عظيماً، وتأثيراً اقتصادياً هائلاً، ومكانة مرموقة بين جميع دول العالم، ناهيكم عن كونها رائدة العالم الإسلامي، ومحط احترام أكثر من مليار مسلم، ومعقد آمالهم، ومرجعهم في المحافل الدولية والعالمية، ومفرجة كروبهم في الشدائد والأزمات.
ولا شك أن هذا البناء الشامخ الذي بلغ عنان السماء له قواعد ثابتة متجذرة في أرض صلبة، ولا ريب أن هذه الشجرة المباركة التي تربعت فروعها فوق هام السحب، وآتت ثمارها في جميع أرجاء الدنيا لها أصول ثابتة، وإلا لما وصل البنيان إلى ما وصل إليه.
فما هذه الأصول؟ وما هذه القواعد، والأسس؟
وهذا السؤال في غاية الأهمية، لأن معرفة أهمية تلك الأصول، وإدراك خطورة تلك القواعد تستوجب العناية التامة بها، والاهتمام الكامل بها.
ومن هنا تأتي أهمية اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، لأنه يذكرنا بتلك القواعد، والأصول التي بني عليها هذا الكيان الشامخ، وشيدت عليها هذه الدولة العظيمة، ويعطينا إجابات تفصيلية واضحة عن ذلكم التساؤل الخطير، ويمكننا إجمال تلك القواعد والأصول التي بنيت عليها المملكة فيما يلي:
أولاً: وحدة الوطن، وتماسك أرجائه، وانضمام أقطاره شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، لتكون وحدة واحدة، لأنه بغير ذلك يستحيل أن تقوم قائمة للأمة المتشتتة، والدولة المتمزقة، ناهيك عن أن تتطور حضارتها، وتزدهر ثقافتها، ومعلوم للجميع ما كانت عليه الجزيرة العربية -قبل الملك عبدالعزيز - رحمه الله- من تشتت، وتفرق، وتناحر وعداوة بين قبائلها، ومن انتشار للجهل، وفشو للظلم، وانعدام للأمن.
ومن هنا اتجهت همة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل -طيب الله ثراه- إلى توحيد شتات شبه الجزيرة العربية، وجمع متفرقها، وتأليف أرجائها، وبذل ذلك في سبيل ذلك الغالي والنفيس، بل وجاد بنفسه في سبيل تحقيق تلك الغاية السامية، والهدف النبيل، وواصل الجهاد بالليل والنهار، وقطع الفيافي والقفار، وتعرض لكل أنواع الشدائد والأخطار، حتى أتم الله عليه النعمة، وحقق أمنيته، وأصبحت -ولله الحمد- شبه الجزيرة العربية أمة واحدة موحدة متماسكة كالجسد الواحد، والبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، تحت راية التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) تحمل اسم: المملكة العربية السعودية.
ثانياً: تحكيم الشريعة الإسلامية، واتخاذ كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- منهجاً ودستور حياة، لأن في ذلك خير الدنيا والآخرة، والسعادة في العاجلة والآجلة، كما قال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}، وقد كان الملك المجاهد عبدالعزيز -رحمه الله- في جهاده داعياً إلى الله، ومرشداً، ومبصراً للناس، ومبيناً أن هدفه وغايته من جهاده هو إحياء العمل بالشريعة الإسلامية، والرجوع إلى الكتاب والسنة، وإعادة الصفاء والإشراق إلى العقيدة الإسلامية وتخليصها مما يناقضها، وإعادة الأمن والأمان إلى شبه الجزيرة العربية بعامة، وإلى المشاعر المقدسة -والبلد الحرام، ومدينة المصطفى - صلى الله عليه وسلم- بخاصة، وقد كان هذا من أعظم أسرار نجاح الملك المؤسس -رحمه الله- في جهاده، وعمله.
ثالثاً: تقوية الجبهة الداخلية، وتعزيز التلاحم بين القيادة والشعب، وترسيخ التفاف المواطنين حول قادتهم، وإحياء المفهوم الصحيح لطاعة ولاة الأمر في المنشط والمكره، وفي طاعة الله تعالى وبعث المودة، والألفة بين أفراد الأمة، بدل العداوة والاقتتال، وقد نجح الملك المؤسس في ذلك نجاحاً منقطع النظير بفضل الله تعالى وقوته، كما قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ}.
ونحن -في المملكة العربية السعودية- إذ نحتفل بهذا اليوم الوطني المجيد يجب علينا أن نعمل مراجعات دقيقة لهذه الأصول والقواعد، وهي: الوحدة الوطنية، وتحكيم الشريعة الإسلامية، والالتفاف حول ولاة الأمر، ونحرص على تقويتها، وتعزيزها، وترسيخها، وبذلك نكون قد قدرنا تضحيات الملك المؤسس عبدالعزيز -رحمه الله- وحافظنا على المكتسبات، وبنينا، وشيدنا فوق الأسس والقواعد التي وضعها الأجداد.
نسأل الله تعالى أن يديم على هذه البلاد المباركة نعمة الأمن والأمان، ونعمة التمسك بالشريعة الغراء، وأن يحفظها من كل سوء ومكروه تحت القيادة الرشيدة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكيل وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد للشؤون الإدارية والفنية