القاهرة - مكتب «الجزيرة» - محمد حسين
أكد مفكرون ورجال دين مصريون أن المؤتمر العالمي للحوار بين الأديان والثقافات المنعقد بمدريد تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز خطوة جادة نحو تقريب وجهات النظر بين أهل الأديان المختلفة، مؤكدين قدرة المؤتمر على خلق حالة حوارية دائمة وليست موسيمة، وثمن العلماء الكلمة التي ألقاها خادم الحرمين الشريفين لدى افتتاحه المؤتمر، حيث شخص فيها أسباب فشل الحوارات السابقة ليعلن للعالم كله أن المسلمين على استعداد وجاهزية لإجراء حوار بناء ومثمر مع الآخر من منطلق أن دينهم يحض على ذلك، وكان خادم الحرمين قد قال: إن معظم الحوارات في الماضي قد فشلت لأنها تحولت إلى تراشق يركز على الفوارق ويضخمها، وهذا مجهود عقيم يزيد التوترات ولا يخفف من حدتها، أو لأنها حاولت صهر الأديان والمذاهب بحجة التقريب بينها. وهذا بدوره مجهود عقيم، فأصحاب كل دين مقتنعون بعقيدتهم ولا يقبلون عنها بديلاً، وإذا كنا نريد لهذا اللقاء التاريخي أن ينجح فلا بد أن نتوجه إلى القواسم المشتركة التي تجمع بيننا، وهي الإيمان العميق بالله والمبادئ النبيلة والأخلاق العالية التي تمثل جوهر الديانات.
وأشار علماء الأزهر إلى أن كلام خادم الحرمين الشريفين يؤسس لمرحلة جديدة في مسيرة الحوار بين الأديان ويضع اللبنات القوية لأسس الحوار في المستقبل مؤكدين أن الصراعات في العالم الآن ليست على أساس ديني، بل لأغراض سياسية واقتصادية واستراتيجية، وأن العودة إلى روح التسامح التي تدعو لها الأديان السماوية هي المخرج من تلك الصراعات وأثارها السلبية على البشرية.
وشدد العلماء على ضرورة وضع منهج حواري عملي يحقق الخير للبشرية وينطلق من المبادئ التي تقوم عليها الأديان والتي ترفض الاعتداء والقتل وكل الأعمال الشريرة، وتدعو للتسامح والتعاون كما طالبوا بهيئة عامة للحوار الإنساني بها كل المهتمين من أتباع الديانات تعمل على نشر قيم العدل والسلام ونبذ العنف.
من جانبه، رحب الشيخ عبد الفتاح علام وكيل الأزهر بمبادرة المملكة العربية السعودية بعقد هذا الحوار العالمي مؤكداً أنه خطوة على الطريق الصحيح، وقال علام: إننا بوصفنا مسلمين نؤمن بثقافة الحوار مع الآخر وتواصل الحضارات وليس صراعها خاصة وأن هناك أشياء كثيرة بين أصحاب الديانات من الممكن الاتفاق عليها مشدداً على دور الحوار في الوصول إلى نقاط الاتفاق بين الأفراد والجماعات.
وأضاف علام أن الدين الإسلامى يدعو إلى السلم والسماحة، ونشر ثقافة الحوار مع الآخر هو الأسلوب الأمثل في مواجهة الإرهاب والتصدي له، مؤكداً أن الشعوب المتحضرة هي التي تستخدم لغة الحوار، فلا يلجأ إلى السماح إلا العاجز غير القادر على إقناع الآخر برأيه ويدلك عليه وبالتالى يلجأ إلى القوة.
وطالب الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المصري بضرورة الاستمرار في الحوار بين الأديان واعتبار مؤتمر مدريد خطوة أسياسية للبناء عليها مستقبلاً مشدداً على ضرورة نشر توصيات المؤتمر إعلامياً للاستفادة من هذا الحوار البناء وبما توفر له من زخم فكري وسياسي وإعلامي كبير، وأشار الفقي إلى ضرورة الاهتمام باستحضار الروح العامة الداعية للتسامح المشترك وفهم الآخر والبحث عن حياة أفضل للإنسانية كلها من خلال قواسم مشتركة بين الأديان السماوية تدعو لنشر السلام والأمن ورفض التعصب.
وأوضح الدكتور الفقي أن حوار مدريد والذي تنظمه رابطة العالم الإسلامي هو بين أتباع الديانات السماوية وليس بين الديانات.. رافضاً التفتيش في النصوص الدينية الذي قد يفتح باباً للخلافات تخرج الحوار بين أتباع الديانات عن الهدف الأسمى لهم وهو خير الإنسانية ومواجهة مشاكل المجتمعات وظواهرها السلبية.
ودعا المؤتمر إلى التوقف عن التفتيش في النصوص الدينية للأديان السماوية.. وأشاد الدكتور الفقي بمشاركة أصحاب المعتقدات الآسيوية كالبوذية والهندوسية في مؤتمر الحوار إلى جانب أتباع الأديان السماوية لأن تجاهلهم من قبل كان يؤدي لشعور بالتباعد والمسافة الواسعة ويسبب فجوة بينهم وبين المسلمين أو المسيحيين ويجعلهم يشعرون بأن أتباع الديانات السماوية يتعاملون معهم باستعلاء.
وأعرب الدكتور الفقي عن أمله في خروج مؤتمر الحوار العالمي بتوصيات فعّالة تدعم الحوار لصالح الإنسانية جمعاء.
وأشاد الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق بما تقدمه المملكة السعودية من خدمة للإنسانية برعايتها مثل هذا الحوار.. وقال: إن العالم أحوج ما يكون للحوار بين أتباع الديانات وأهل الملل والعقائد حتى يعم السلام ونجنب العالم ويلات الحروب والاقتتال الذي يعصف بكل مناطق العالم وليس أمام العالم إلا الاستماع لصوت العقل والجلوس على موائد الحوار والتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان شريطة أن يكون هذا الحوار هو حوار المتكافئين، حيث يحترم كل طرف خصوصيات الطرف الآخر وأن يكون الهدف هو تحقيق التعايش السلمي.
وقال الشيخ محمد الراوي عضو مجمع البحوث الإسلامية: إن الوضع الراهن يتطلب منا ضرورة الحوار ومعرفة حدود الآخر من خلال احترام العقل والبحث عن نقاط التلاقي وتقدير مساحة المشترك بيننا وبينه مع احترام القيم الإنسانية وتعزيز منطق الحرية والالتزام دون خلط في الأوراق أو وجود لبس في الخطوط الفاصلة بيننا، مشيراً إلى أن الحوار مع الآخر يتطلب اتساع مجال الاجتهاد واحترام الثوابت والرموز والمقدسات بقدر ما يتضمنه من عدم التضحية بالهوية والكيانات الثقافية لكل دولة والشخصية القومية بعيداً عن التعصب والانغلاق والتطرف.. وأضاف: إن الحوار بين الناس لا يختلف عليه عاقلان فهو يمكننا من معرفة بعضنا البعض، وقد أمرنا الله تعالى بالتعارف والحوار، مشيراً إلى أن هذه الحوارات تحث على التعاون والتقارب بين أتباع الديانات السماوية. وأكد الشيخ الراوي أن الحوار مرحب به وما أجمل الحوار عندما يكون بين العقلاء فيأتي بالخير الكثير وينتج السعادة والتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان.. ومن ثم فمرحباً بالحوار الذي يؤدي إلى رقي الأفراد ورقي الجماعات. ويؤكد الشيخ الراوي أنه لكي يكون الحوار بين الأديان مثمراً يجب ألا يتطرق إلى العقائد، فالذي يحاسب على العقائد هو الله وحده؛ لأن هناك مساحات مشتركة بين الأديان وقد جاءت التعاليم الإلهية تحث على العمل من أجل إصلاح شيء معين أو الحفاظ على قيم معينة لإسعاد الإنسانية والنهوض بها.
وأكد الدكتور أحمد السايح الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر إن الحوار بين الأديان أصبح ضرورة ملحة من أجل نبذ ثقافة الكراهية والتعصب الديني خاصة إذا كان الحوار بين الأديان بهدف تعميق معرفة كل طرف من أطراف الحوار بالطرف الآخر وتعزيز ثقافة الحوار ومراجعة الموروثات التاريخية السلبية التي تشكل عقبة أمام التفاهم المشترك بين أتباع الأديان والبعد عن التوظيف السياسي للدين بأي شكل من الأشكال، مشيراً إلى أن الحوار بين الأديان يهدف إلى التأكيد على القيم المشتركة بينها التي جاءت الأديان من أجل نشرها وعلى رأسها الإيمان بالله، الأخلاق الفاضلة، تكريم الإنسان، والاعتراف بحقوقه، والإخاء الإنساني، ودفع الظلم عن المظلومين ونبذ الكراهية بين الأديان والتعصب لبعضها دون البعض الآخر.
فالكراهية والتعصب يؤديان إلى التطرف وهو يؤدي بدوره إلى العنف والإرهاب وبالحوار تتهيأ السبل إلى غرس الاحترام المتبادل بين الأديان مما يحقق إمكانية التعايش بينها وحسن الجوار والتسامح والمحبة بين أبناء الديانات السماوية.
وأضاف الدكتور السايح إنه في ظل ما يشهده العالم الآن من الابتعاد عن القيم الرفيعة والأخلاق الفاضلة التي تأمر بها الأديان أصبح الحوار بين الأديان ضرورياً لإنقاذ الإنسانية مما تتردى فيه من مهاوي الفساد والخراب والاضطهاد الديني والعنف والإرهاب ومن أجل تعزيز روح التعايش والتعاون وتحقيق السلم الاجتماعي.
وأكد الدكتور مصطفى الشعكة المفكر الإسلامي أن المبادرة من خادم الحرمين الشريفين تكتسب أهمية خاصة لما يتمتع به خادم الحرمين من ثقل دولي، كما أن المؤتمر يستحق الترحيب والدعم مشيراً إلى أن الدين الإسلامي يحثنا على الحوار والجنوح للسلم والتعارف مع كل من يعيش على هذه الأرض وأعرب الشعكة عن أمله في أن يكون حوار مدريد بداية مبشرة في مسيرة الحوار بين أصحاب الديانات المختلفة.
أما الدكتور أسامة عبد السميع أستاذ الفقه المقارن في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر بالقاهرة فيقول: يجب أن ينظر إلى الحوار بين الأديان على أنه يعني قبل كل شيء التواصل ومعرفة الآخر بهدف التعايش بين الناس بكرامة وعدل وسلام.. مشيراً إلى أنه حوار ينظر إلى فرص التلاقي أو المساحات المشتركة التي يمكننا من خلالها تجاوز حدود التمييز بين بني الإنسان ورسم معالم الطريق للحياة بمختلف مجالاتها على أسس من القواعد المشتركة بين الأديان والتي لها دور بالغ الأهمية في إنقاذ البشرية من الأخطار التي تهددها لاسيما أنها جاءت لإصلاح البشر وإسعادهم في دنياهم وآخرتهم؛ لأن جوهرها واحد ومصدرها واحد.
لافتاً إلى أهمية الحوار بين الديانات على أساس الاحترام المتبادل بهدف إزالة سوء الفهم، مؤكداً أن الإسلام يأمر المسلمين بأن يأخذوا بالمسالمة العامة مع كل الفئات المسالمة، من كل الناس الذين يختلفون معهم في المعتقد، وذلك بالأخذ بأسباب العدل، في معاملاتهم وبالإحسان إليهم.