Al Jazirah NewsPaper Sunday  20/07/2008 G Issue 13079
الأحد 17 رجب 1429   العدد  13079
مؤتمر حوار مدريد العالمي إشراقة لإسعاد البشرية
د. فهد بن عبدالرحمن بن عبدالله السويدان

لاشك أنّ مؤتمر حوار مدريد العالمي انبثق عن مؤتمر مكة الإسلامي العالمي للحوار، فإنّ الحوار في الإسلام يقوم باللين والحكمة والحسنى والدليل والحجة والبرهان, فعندما عصى ابليس اللعين ربه وأبى أن يمتثل لأوامر الله بالسجود لآدم كما فعل الملائكة، لم يسارع الله سبحانه وتعالى إلى إنزال العقاب المباشر به والقضاء عليه مع أن ابليس قد تعّهد بإغواء بني آدم .. وإنما جرى حوار بين الله جل في علاه وبين ابليس اللعين الذي طلب إمهاله إلى يوم الدين فكان له ذلك.

وعندما ادعى فرعون ذي الأوتاد الألوهية في الأرض وخاطب أهل مصر بأنه لا يوجد لهم إله غيره .. لم يأذن الله حينئذ بإنزال العقاب عليه، وهو القادر على أن يقول للشيء كن فيكون، وإنما أرسل إليه النبي موسى عليه السلام ليحاوره بالقول اللين لعله يتذكر أو يخشى ويرجع عن ادعاءاته الباطلة. وكذلك بالنسبة لمختلف الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله سبحانه وتعالى إلى أقوامهم، حيث كانوا يحاورونهم ويقارعونهم بالحجج والأدلة والبراهين للرجوع عن غيهم وكفرهم والتسليم بما أراده الله لهم أن يكون حقاً.

من هنا نجد أن مبدأ الحوار مع الإنس والجن قد بدأ مع خلق الخليقة .. ولنا في القرآن الكريم عظة ومثل واعتبار .. فهو يروي لنا قصص الأولين والآخرين وكيف كان يتم الحوار ليس بين الإنسان والإنسان فحسب، وإنما بين الله جلّت قدرته وبعض خلقه بما فيهم إبليس اللعين .. وكيف كان الله يظهر الحق في نهاية الحوار ليؤمن به الجميع.

فإن ديننا الإسلامي السمح حثنا على الحوار مع ذاتنا ومع الآخرين ووازعنا الديني يعمل على تقوية ضمائرنا، وبالتالي أكسبنا أخلاقاً عالية واحتراماً للآخرين، وحسن تعامل وتسامح مع شعوب العالم.

فإنّ الحوار يجب أن لا يقتصر على فئة من المجتمع، بل لا بدّ أن يضم جميع شرائح المجتمع من الجنسين، لأنّ لكل فئة وجنس هموماً وقضايا وأفكاراً يجب أن تطرح ويبحث لها عن حلول.

يجب أن نطرح كل هموم المرأة بشفافية وصدق ونبحث عن إيجاد الحلول العاجلة لها.

إنّ التقارب والحوار بين الثقافات العالمية بات ضرورياً وملحاً في الوقت الراهن من أجل تقريب الهوّة بينهما فنحن نعيش في كوكب واحد ومستقبلنا ومصيرنا هو واحد، فالتقارب بين الثقافات يصب في مصلحة من يسكن هذه الأرض قاطبة، وبالتالي يقضي ويحل جميع مشكلات هذا العصر المعقدة.

أهمية الحوار للإنسانية

نشير إلى أنّ الإنسان مخلوق كرّمه الله سبحانه وتعالى على هذه الأرض فوضعه في مرتبة تفوق سائر المخلوقات، وخصّه بالعقل كأداة أساسية من أدوات التكليف، وبالتالي أرسل إليه الرسل وأنزل عليه الكتب وجعل حياته الدنيوية حياة ابتلاء وامتحان. ولهذا، فإنّ السنن الإلهية تقتضي أن لا تمر حياة الإنسان دون حدوث مشكلات نابعة من بغي القوي على الضعيف. فالتجمعات البشرية قابلة لأن يكون فيها التواصل، والتقاطع، والرحمة، والظلم، والإقصاء، إلاّ أنّ التعارف بين هذه التجمعات حالة ضرورية لتجنُّب البغي والظلم، حيث يقول تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}سورة الحجرات آية (13). فالتعارف مقصد شرعي ليس للمسلمين فقط، بل لسائر البشر والعالم والشعوب والأمم، حيث أبرزت الآية هذا المعنى وهو ما يعني أنّ القرآن الكريم مع مفهوم التعارف بين الناس الذي يتم عبر الحوار والجدل.

وأرى أنّ الحوار يحتل أهمية قصوى في المجتمع، فالحوار هو الوسيلة الطبيعية للتواصل بين الناس جميعاً نظراً لتعدد آرائهم واختلاف وجهات نظرهم، كما أنّ تعرُّف كل طرف على آراء ووجهات نظر الآخر لا يتم إلاّ عبر وسيلة الحوار. والإسلام عنى بترسيخ مفهوم الحوار والجدل، كما عنى بهما المنهج النبوي كذلك، فأوصى ديننا الإسلامي بأن يكون الحوار بالتي هي أحسن كآلية هادئة للتواصل. وأنه قد لا يكون ثمة تطابق بين جميع المسلمين في جميع التفاصيل، إلاّ أنّهم يجتمعون في الكُليات، وعند وجود اختلاف فإنّ لعقلاء القوم منهم دوراً كبيراً في التقريب عبر الحوار والتواصل. وهذا الأمر يجعلنا نعمق الحوار فيما بيننا؛ لأنه الوسيلة الأمثل الموصلة لنقطة السلامة، وإلاّ فإنّ البديل هو العنف والكارثة .. فالصراعات والحروب التي شهدها العالم من قبل - خلال الحرب العالمية الثانية مثلاً - قد قتلت ما يقارب الأربعين إلى الخمسين مليون قتيل. ومن هنا وصلت أوروبا إلى نتيجة مفادها: إنّ الحوار ضرورة للتوصل لنقاط اتفاق والحفاظ على السلم بين الناس, وقد سبقها الإسلام إلى ذلك بقرون.

وأؤكد أنّ التعايش يحقق للإنسانية جميع حقوقها ويحفظ مصالح جميع الفرقاء.

فالحوار والتعايش لا بدّ أن يكونا من أسس بناء المجتمعات الإسلامية، ومن الضروري تحويلهما إلى قيم راسخة قوية. أمّا إذا لم يحدث التقارب للحق الذي يرونه جميعاً كمسلمين، فإنّ التعايش يكفل لكل طرف حرية الاختيار وصون حقوقه.

فالحديث عن الحوار أصبح قضية إعلامية تتناولها الصحافة والإذاعة ومحطات التلفزيون وجميع وسائل الإعلام المختلفة، بل صار قضية اجتماعية تتداولها الديوانيات والمحاضرات واللقاءات الاجتماعية، ويدور حولها الجدل في ساحات المواقع الإلكترونية، وهذا كله لم يكن - قبل مدة يسيرة - شيئاً مذكوراً.

بداية انطلاق مسيرة الحوار

لم يكن للحوار تداول نظري ولا واقع عملي في بعض الدول، ومع التغيرات العالمية والإقليمية بعد أحداث سبتمبر طرأت على الساحة السياسية والإعلامية قضايا ومفردات لم تكن متداولة، حيث طرحت قضايا المجتمع المدني ومؤسساته، والإصلاح السياسي وأطروحاته، والانفتاح الإعلامي وتداعياته، ومحاربة الإرهاب ومتطلّباته، وكانت قضية الحوار إحدى آثار تلك المستجدات.إنّ العمل على تفعيل الحوار والبحث عن الموضوعات التي ترقى بالشعوب (التنوير الثقافي،الإصلاح الديني، الديموقراطية، مؤسسات المجتمع المدني، حقوق المرأة، تطوير التعليم) .. وطرح جميع القضايا والرؤى بشفافية وموضوعية له أثر كبير في اختصار نهوضنا فكرياً وحضارياً واجتماعياً واقتصادياً وثقاقياً .. كي نحقق ما نصبو إليه من تطور سريع في جميع المجالات المختلفة.

فليس بالغرابه ولا العجب، ذلك الصدى الواسع للدعوة التي وجَّه بها خادم الحرمين الشريفين لعقد مؤتمر الحوار العالمي في العاصمة الإسبانية مدريد، لأنّها قد صدرت من زعيم عظيم إسلامي صادق كعلو قدر وميزان ومكانة الملك عبد الله بن عبد العزيز .. أيّده الله, وعن دولة كالمملكة العربية السعودية، لأنّها مهبط الوحي وقبلة المسلمين في العالم.

وكان اختيار مدريد لأنها مركز المسيحية الأول في العالم، وبين العالم الإسلامي، والذي كانت إسبانيا في مرحلة تاريخية سابقة واسطة بين حضارتين، وشاهدة على ما قدّمته الحضارة العربية الإسلامية المشرقة في شتى العلوم والمعارف الإنسانية للعالم القديم من علوم وتراث وقيم وإخلاق.

فدعوة خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - للحوار أيضاً، جعلت الفاتيكان (ممثل الكاثوليكية) في العالم المسيحي، يؤيد الفكرة ويعتبرها خطوة إيجابية بنّاءة على طريق التحاور بين أهم ديانتين سماويتين على وجه الكرة الأرضية، والأكثر انتشاراً في العالم، ولا مفرّ من وجود الأرضية الصلبة القوية الإيمانية المشتركة بينهما لكي يعم السلام والاطمئنان جميع العالم، باعتبار ذلك المخرج الوحيد لكل ما يشوب العالم الحديث من اضطرابات وصراعات واتهامات وصور معتمة خاطئة، قد استغلها متطرفون من الجانبين لتشويه الجانب الإنساني والعقائدي المشرق الذي لا يختلف عليه أتباع الديانات الحقة.

فدعوة خادم الحرمين الشريفين - أيّده الله - أيضا جاءت تعبيراً عن منهج إيماني صادق يقوم على التآخي بين أبناء إبراهيم، لكي يكون هناك أرض خصبة للمحبة مشتركة للتلاقي وتبادل الآراء والأفكار حول مستقبل العالم الذي نتشرك جميعاً في بنائه ورخائه وازدهاره دون أنانية أو استعلاء أو فوقية، والرغبة في بناء علاقات تفاهم وحوار وحب ووئام بين جميع العالم، وهي نفس الدعوة التي أمرنا بها ديننا السمح الحنيف.

إنّ مؤتمر الحوار العالمي يمكن أن يصبح نقطة التقاء وتفاهم لإزالة أيّة لَبْس أو سوء فهم بين جميع الديانات السماوية، ويمكنه أيضاً أن يمثل فرصة قد لا تتكرر للتاريخ الإنساني ليراجع كلٌ فيها محاسبة النفس، لانتشال جميع المتطرفين من أفكارهم العدوانية، ويمنح البشرية اطمئناناً وأمناً واستقراراً ورخاءً وازدهاراً لكي نعيش بمحبة وسلام ووئام مع الذات ومع الآخر، كما دعت الرسالات السماوية، وكتبها المقدّسة، التي جاءت لتجمع بين البشر، وتوجههم نحو البناء والتعايش والقيم والأخلاق والمُثُل العليا .. تلك الرسالة الإسلامية التي يتشرّف بها جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.وقيل الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية .. وفّق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.

الأستاذ الأكاديمي وعضو المصالحة وعضو التحكيم -الرياض


fahd - a - s@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد