الأسرة أساس المجتمع، وبقدر ما تكون الأسرة مترابطة قوية مثالية بقدر ما يكون المجتمع قوياً مثالياً مترابطاً، والزواج هو الوسيلة المثلى لبناء مجتمع مثالي مستقر، والأسرة تكون عن طريق الزواج، الذي يشبع الحاجات النفسية والجسدية للأفراد، ويقمع الانحراف والشذوذ، ويحقق الحياة الوادعة، ويوفر الهدوء والاستقرار، قال تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (21) سورة الروم.
ومن يعرض عن منهج الله وشريعته يكون عقابه المزيد من الآلام، فتزداد بالتالي المشكلات التي تصيب المجتمع، ومنها مشكلة العنوسة، تلك المشكلة تشغل بال بعض الأسر، وتحزن الآباء والأمهات قبل البنات. وتسبب الكوارث، وجوهر المشكلة يكمن في تأخر سن زواج بعض الفتيات عن السن الطبيعية، مما يترتب عليه كثير من الآثار النفسية والاجتماعية الخطيرة.
أسباب العنوسة:
والتغلب على هذه المشكلة الخطيرة يتطلب معرفة أسبابها، التي تتفاوت ما بين سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية، ومن ذلك:
- عدم إقبال كثير من الشباب على الزواج، لعجزهم المادي أمام ارتفاع المهور، بدرجة كادت تصبح عرفاً سائداً وعادة محكمة، ويصل الأمر بالفقير إلى العجز عن التقدم لأية امرأة، فإذا حاول كان مثاراً للسخرية والاستهزاء به.
- العصبيات القبلية، كأن نجد عائلة لاتتزوج إلا من عائلة معينة، أو لا تزوج بناتها للغرباء عنها، حفاظاً على شرف العائلة أو ميراثها أو حسبها.
- تعنت بعض الفتيات، ورفضهن الزواج من الأشخاص الذين لا يقيمون معهن في منطقة قريبة من بيت الأسرة.
- انسياق بعض الفتيات وراء التيارات الفكرية المنادية بتحرير المرأة، والمساواة مع الرجل، وتحقيق الذات، وهنا ترفض بعض الفتيات الزواج حتى ينتهين من التعليم، ويحصلن على وظيفة مناسبة، فتزيد أعمارهن، وتقل فرصهن في الزواج.
- كثرة المشاكل العائلية بين الأبوين، فتنشأ الفتاة ولديها فكرة سيئة عن الزواج، فترفض الإقدام عليه خوفاً من الوقوع في نفس المشاكل.
- معارضة بعض الآباء في تزويج بناتهم الموظفات طمعاً في أموالهن، مع تبرير موقفهم بحجج واهية، ومن ذلك القول: (إنه لم يحدث نصيب)، أو (لا يوجد أحد في مستواها)...إلخ.
آثار العنوسة:
وأمام هذا التعدد والتنوع في الأسباب التي أفضت إلى هذه المشكلة الخطيرة، فقد أفرزت هذه المشكلة العديد من الآثار التي تهدد المجتمع الإسلامي، وتؤثر في تماسكه، وتظهر خطورة العنوسة على عدة مستويات:
خطر العنوسة على الفتاة:
بحيث تصاب الفتاة (العانس) بالعديد من الآلام النفسية، فتشعر بالحزن والاكتئاب، والنفور من الناس خشية السخرية والتلميح الجارح، وهذا قد يترتب عليه العديد من الآلام العضوية، والأخطر أن الفتاة قد تنحرف عن الطريق السوي التماساً للسكن والعاطفة.
خطورة العنوسة على الأسرة:
تحدث العنوسة آثاراً نفسيةً سيئةً على كل أسرة فيها عانس، حيث يشعر أفرادها بالهم والغم، بل الخزي والعار في بعض المجتمعات، حيث الخوف من نظرات الناس وتفسيرها بغير معناها واعتبارها نوعاً من الاتهام لهم ولبناتهم، مما يؤثر بصورة سلبية على العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع.
خطورة العنوسة على المجتمع:
حيث يؤدي انتشار ظاهرة العنوسة لأخطار شديدة على المجتمعات، إذ يحدث التفكك والتحلل في المجتمع، وتنتشر الأحقاد والضغائن بين أفراده، كما ينتشر الفساد والرذائل والانحرافات، التي تندفع إليها بعض الفتيات في ظل الدوافع النفسية التي يعانين منها.
كما تنبت وترعرع في ظل مشكلة العنوسة بعض العادات الجاهلية، كالسحر والدجل والشعوذة، ظناً من البعض أن هذا سؤدي إلى زواج بناتهم.
وأمام كل هذا الخطر.. ما هو الحل؟
إن الإسلام أوجد الحل لمثل تلك الظاهرة، حيث وضع العديد من الأسس والمبادئ التي تقضي عليها، وتجنب المسلمين أخطارها، ومن ذلك:
- الحث على الاعتدال والوسطية في كل شيء ومن ذلك المهور، فلا تكون فوق الطاقة، ويُراعَى الحرص على الخلق والدين قبل المال عند اختيار الزوج المناسب، فإذا توفر الخلق النبيل والحرص على الدين، فهذا هو الفوز والمغنم، قال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد) (الترميذي).
- العمل على تحقيق التنمية في الدول الإسلامية، بما يرفع من أحوال المعيشة، لتسهيل فرص المعيشة الكريمة وبناء أسر جديدة بالزواج.
- الأخذ بمبدأ (تعد الزوجات)، الذي يعد متنفساً شرعياً عظيم الفائدة، كما دعا رئيس هيئة كبار العلماء - الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ مجدداً دعوته لتعدد الزوجات، داعياً السعوديات إلى تقبل منطق التعدد للحفاظ على البناء الاجتماعي للأسرة والمجتمع، موضحاً أن تعدد الزوجات أمر شرعه الله لصالح المجتمع، وأن على المرأة تقبُّل أن تكون زوجة ثانية أو ثالثة باعتبار ذلك خيراً من العنوسة. وأضاف أن زواج المرأة من رجل ذي دين وكفاءة وخلق ومعه زوجة أخرى لاعيب ولا نقص فيه، مجدداً تأكيده بأن التعدد أمر مشروع وأن الذي يشكك فيه ضال. وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح.