انضم الدكتور جاسر عبد الله سليمان الحربش استشاري الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي أخيراً لمركز الدكتور سليمان الحبيب الطبي. و د. الحربش يعتبر من أشهر أطباء الجهاز الهضمي في المملكة حيث له خبرة كبيرة تجاوزت الـ30 عاماً قضاها في تشخيص وعلاج الجهاز الهضمي وحاصل على العديد من المؤهلات والخبرات العلمية والعملية، فهو حاصل على الدكتوراه في الطب الباطني من ألمانيا عام 1980م وعمل أستاذا مساعدا (استشاري أول) في الطب الباطني بكلية الطب في جامعة الملك سعود.
وكان لا بد من اللقاء مع هذه الكفاءة الطبية للتعرف على اضطرابات الجهاز الهضمي وعلاقتها ببعض الاضطرابات النفسية والعصبية وغيرها من الاضطرابات التي لها تأثير على الأمراض الجهازية الأخرى.
التقلبات المزاجية حسب وضع الجهاز الهضمي
* د. جاسر.. نسمع أن هناك علاقة ما بين اضطرابات الجهاز الهضمي وبعض الاضطرابات النفسية والعصبية، فكيف يفسر هذا؟
- السؤال يحدد باستعمال كلمة (اضطراب) مسار الجواب، حيث إنه يفرق بين الاضطراب والاعتلال وهذا جيد لأنه قد يكون عند بعض الناس خلط بين التعريفين من الناحية العلمية.
فالمقصود بالاضطراب هو الخلل الوظيفي في أداء العضو الجسدي دون ظهور خلل واضح على المستوى التشريحي والنسيجي والخلوي، وذلك بعكس الاعتلال المرضي.
في هذا الإطار التعريفي يجب أن نتحدث عن علاقة اضطرابات الجهاز الهضمي (وليس الأمعاء فقط) بالاضطرابات النفسية والعصبية لأن هذا هو ما يحدث فعلاً.
العلاقة بين الاضطراب الهضمي والاضطراب العصبي والنفسي متبادلة، بمعنى أن قصور الأداء الوظيفي (الحموضة، القلس، الشعور بالامتلاء، التجشؤ، عسر الهضم، الإمساك، الإسهال المتكرر.. و هكذا) يؤدي مع مرور الوقت إلى تعكر المزاج والشعور بالضيق الذي قد يصل إلى حدود الاكتئاب أو الانفعال العدواني، مما يجعل حياة الشاكي عموماً وأداءه الاجتماعي خصوصاً عرضة للتقلبات المزاجية حسب وضع جهازه الهضمي.
الناحية الأخرى هي أن المصاب بالاضطرابات الهضمية الوظيفية تكون قدراته على التقيد بشروط العمل الوظيفي كمصدر رزق عرضة للتقلبات أيضاً، فتكثر فترات الغياب عن العمل والأعذار المرضية ويتناقص التركيز مما يجعل المريض عرضة للتسريح أو على الأقل لعدم الارتقاء في السلم الوظيفي، ويقل إنجازه في مجال أعماله الخاصة.
وبما أن العلاقة متبادلة كما قلت في البداية، فإن الاضطرابات النفسية والعصبية والمبدئية (العصاب، الاكتئاب، الرهاب.. وهكذا) تؤدي حتماً إلى اضطرابات عميقة في الأداء الفسيولوجي لجميع أعضاء الجسم ومنها الجهاز الهضمي.
إجمالاً استطيع أن أقول على ضوء 35 سنة من الخبرة الطبية أن نصف مراجعي الأطباء على الأقل في البلدان المستقرة غذائياً يعانون فقط من نتائج هذه العلاقة الوثيقة بين النفس والجسد والجسد والنفس دون وجود علة مرضية واضحة في الجسم نفسه.
* الدراسة الجيدة لحالة المريض تساعد على التشخيص الصحيح هل اضطرابات الأمعاء الناتجة عن الحالة النفسية أمراض خطيرة؟
- للجواب على هذا السؤال لا بد من الدخول في علاقة النفس بالأمراض العضوية بما هو أعمق مما قد يوحي به السؤال لأول وهلة. لاحظ الأطباء الأوروبيون منذ بدايات القرن العشرين أن العسكريين على جبهات القتال المتقدمة (المقاتلون وجها لوجه) في الحرب العالمية الأولى والثانية، أقول لاحظ هؤلاء الأطباء من خلال المتابعة الطويلة أن مقاتلي الجبهات المتقدمة بعد نهايات الحروب كانوا أكثر عرضة للأمراض النفسية والعصبية (وهذا منطقي) لكنهم لاحظوا أيضاً أن هؤلاء العسكريين تعرضوا لاحقاً للإصابات السرطانية بنسب أعلى من الفئات السكانية الأخرى. كان الاستنتاج المبدئي أن الأمر يعود للتعرض المباشر للاختلاطات الكيميائية الحربية. بعد ذلك بسنوات أجريت تجارب على حيوانات المختبرات بتعريضها لحالة استفزاز مستمرة تشبه الحالة العسكرية على الجبهات، وهنا ظهرت نتائج غير متوقعة. حيث أظهرت مجموعات حيوانات التجارب التي تعرضت لأطول وأشد أنواع الاستفزاز إصابات أكثر بالأمراض العضوية، وكانت من ضمنها كثرة في الإصابات السرطانية.
ومع التقدم العلمي المتراكم اتضح أن العلاقة بين النفس وجهاز المناعة والمرض العضوي تكون شبكة علاقات كثيفة التفرعات تدخل ضمنها الهرمونات والجهاز اللمفاوي والنخاع العظمي ومستقبلات الأعصاب والنواقل الكهربائية وغير ذلك مما يتطلب الرجوع إلى ذوي الاختصاص، إن إحدى واجبات الطبيب الأساسية هي الإجهاض المبكر للعلاقة بين الاضطراب الوظيفي والحالة النفسية من خلال الاستماع الكافي للمريض والإلمام العميق بمخاوفه والاستعانة بالإخصائي النفسي لتبديد هذه المخاوف، وفوق هذا بالطبع الاهتمام بالتشخيص الدقيق للمرض العضوي إن وجد وعلاجه حسب المعطيات العلمية المتوافرة.
* الالتزام بأساسيات الغذاء السليم ما هي أهم الطرق الطبيعية والدوائية المستخدمة للوقاية أو لمعالجة هذه الاضطرابات؟
- تدخل الإجابة عن هذا السؤال في اختصاص العلوم النفسية أكثر من الباطنية. والعلاج بالطرق الطبيعية مفهوم لا أعلم له تعريفا ولا تطبيقاً عملياً، لكن يبقى من المؤكد أن التعرض لأشعة الشمس في فترات الصباح الأولى واستنشاق الهواء النقي في المجتمعات الطبيعية، والمشي لمسافات طويلة نسبياً في بيئات طبيعية عذراء والالتزام على الأقل بأساسيات الغذاء السليم، من المؤكد أن كل هذه الأمور تساعد كثيراً في استعادة الجهاز الهضمي والنفسي والمناعي وكل أجهزة الجسم الأخرى لتوازنها الفسيولوجي الطبيعي. أما بالنسبة للوسائل النفسية والدوائية فلا استطيع الحديث فيها لعدم الدراية الكافية.
المهم هنا هو أن فروعا عديدة في المهنة الطبية يجب أن تتعاون للسيطرة على الاعتلالات الجسدية - النفسية حيث لا يكفي الاختصاص الواحد للقيام بالدور كاملا في هذا المجال.
حالات نادرة.. لكن الحذر واجب
* هل لاضطرابات الأمعاء علاقة بالإصابات والأمراض الجهازية الأخرى مثل القلب والرئتين والدم. وما هي العلامات التي تشير إلى هذه الأمراض من خلال الأعراض في الجهاز الهضمي؟
- يمس هذا السؤال بشكل مباشر احد الإشكالات الأساسية في الطب عموماً، وفي طب الجهاز الهضمي على وجه الخصوص. الإشكال هنا هو أن اختصاصي الجهاز الهضمي يتعامل يومياً مع نسبة عالية من المراجعين الذين يشتكون من اعتلالات هضمية أسبابها عصبية نفسية أو اجتماعية نفسية، وأبسط مثال على ذلك هو ما يسمى بالجهاز الهضمي العصبي (القولون العصبي تجاوزاً) لكن الطبيب لا يستطيع بسهولة أن يحدد بالضبط متى تتداخل الأمور بين المرض العضوي والاضطراب الهضمي النفسي لأن المصاب بالاضطراب يمكن أن يصاب يوما ما مثله مثل أي إنسان آخر بمرض عضوي في جهازه الهضمي، ليس لأن الاضطراب النفسي الهضمي يؤدي إلى المرض العضوي بالضرورة، وإنما لأن احتمالات الإصابة بالمرض العضوي موجودة لدى المضطرب نفسياً مثل ما هي موجودة عند المستقر نفسياً والعكس أيضاً صحيح، حيث إن المصاب بداية بمرض هضمي عضوي يمكن أن يقدم شكواه إلى الطبيب بصورة تقترب كثيراً من صورة الاضطراب الهضمي النفسي.
على حصافة الطبيب هنا أن تصل بأقل ما يمكن من الوسائل الطبية تكلفة على المريض في جميع المجالات (الجسدية والنفسية والمالية) إلى التشخيص الدقيق والواضح، أما أن اضطرابات الجهاز الهضمي لها علاقة باعتلالات الأجهزة الجسدية الأخرى فهذا في حكم المؤكد.
لنفترض مثالا بسيطا ذلك الشخص المضطرب نفسياً الذي يعاني من فقدان الشهية وعسر الهضم والأرق. إن مثل هذا الشخص إذا لم تتح له العناية الإلهية طبيبا واسع الأفق يأخذ بيده إلى بر الأمان منذ البدايات الأولى للاضطراب، يصبح من المتوقع مع مرور الوقت أن ينزلق إلى مرحلة مرضية عضوية فيصاب بالقرحة الهضمية التي يمكن أن تنزف، وبفقر الدم بسبب نقص التغذية علاوة على النزيف، وبتردي كفاءة الجهاز المناعي فيصبح عرضة للإصابات الميكروبية ويمكن لحالته الغذائية السيئة أن تؤدي إلى اعتلال عضلة القلب أو تشحم الكبد بسبب نقص المواد الكربوهيدراتية والبروتين والمعادن والفيتامينات، وكل هذا لأن هذا الإنسان سيئ الحظ كان يعاني بداية من اضطراب هضمي نفسي. على أي حال يجب أن لا يصاب القارئ بالهلع من هذا المثال التبسيطي لأن مثل هذه الأمور نادرة الحدوث، ولان أسباب حدوثها تكاد لا تجتمع إلا في ظروف استثنائية جدا، والنادر لا حكم له.
وفي الختام أسأل الله السلامة للجميع.