عرض: د. عبدالمجيد محمد الجلال
المؤلف: هادي المدرسي
الناشران: الدار العربية للعلوم والمركز الثقافي العربي - الطبعة
الأولى لعام 2005م.
عدد الصفحات: 192 صفحة من القطع المتوسط.
المحتويات: احتوى الكتاب على نحو (ثمانية عشر) موضوعاً عن مفهوم السعادة.. ومنابعها.. وطرق جلبها، وعوائق الوصول إليها.. وتمارين للاسترخاء الجسدي وأخرى للتنفس العميق بهدف الترويح عن النفس، وتخفيف التوتر، وزيادة الشعور بالسعادة.. وفي جزئه الأخير عرضٌ لبعض الأقوال والحِكم المأثورة حول السعادة والسعداء.
* مفهوم السعادة: استهل المؤلف كتابه هذا بالتساؤل عن مفهوم السعادة، وهل تخضع للصدفة أم للإرادة؟ وهل هي موهبة إلهية تولد مع البعض، ويحرم منها آخرون.. أم أن لها عوامل وأسباباً، فإذا توافرت تلك العوامل والأسباب جاءت السعادة نتيجة طبيعية لها. ويرى المؤلف أن الأمر يتوقف على مفهومنا للسعادة، فإذا اعتبرناها لذة مطلقة بلا نهاية، وثروة هائلة بلا حدود، وراحة كاملة بلا تعب، وشباباً دائماً بلا شيخوخة، وغنى فاحشاً بلا حاجة، فإن مثل هذه السعادة ضرب من ضروب الوهم.
أما إذا اعتبرناها راحة نسبية، ولذة متناسبة مع إمكانات هذه الحياة، وعيشاً بالحد الأدنى أو المتوسط من المتطلبات، فإن السعادة ليست نقطا ممكنة، وإنما هي متوافرة للجميع، وبإمكانهم الوصول إليها بشرط توفير أسبابها وعواملها...
* الإيمان.. المنبع الأول للسعادة:
فلا سعادة بلا اطمئنان، ولا اطمئنان بلا إيمان، وكما يقول العلي العظيم {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}. ويشير المؤلف إلى أن الإيمان يمنح المرء السعادة من جهتين:
الأولى: من جهة أنه يمنعك من الانزلاق في مستنقعات الفجور والجريمة، وهي من أخطر أسباب التعاسة والشقاء، فلا شيء يضمن للمرء ألا تجره شهواته ورغباته إلى الموبقات إذا كان قلبه فارغاً من
الإيمان بربه.
الثانية: من جهة أنه يعطيك أهم شرط من شروط السعادة، وهو الاطمئنان، ففي بحر المشاكل والأزمات لا مرساة للنجاة سوى الإيمان، فمن دون الإيمان تزداد عوامل الخوف والقلق، أما مع الإيمان فلا شيء يستحق الخوف سوى مقام الله تعالى.
فالقلب المؤمن يستهين بكل الصعاب؛ لأنه يتوكل على الله، والقلب الفارغ من الإيمان كورقة مقطوعة من غصنها، تتلاعب بها الرياح الهوجاء.. ويخطئ مَنْ يظن أن السعادة هي في التخلص من الإيمان وتتبع الملذات العابرة، فما قيمة لذة، تعقبها ساعات من المعاناة؟ وما قيمة وردة إذا كان الوصول إليها يغرقك في مستنقع؟
ثم إن الإيمان يعطيك الحب، والأمل، واليقين، والراحة النفسية، والشعور بالقيمة، وهذه اهتزازات عظيمة تجذب مثيلاتها.. وللمؤمنين طريقة قوية في تحريك الاهتزازات الواهنة، هي الصلاة، والدعاء إلى الله، والاستسلام لمشيئته.
إن الصلاة التي يتلوها المؤمن مرات عدة باليوم تمنحه من التألق الروحي ما تمنحه الخبرة اليومية لحاجاته الجسدية.
إن الخَور في قواك لا يفسر إلا ببطء في حيويتك، وليس أمامك سوى الإيمان؛ فهو ينتشلك مما أنت فيه، ويزيد من قوتك، فتعلق به، وستشعر بارتفاع معنوياتك.. إنك بذلك تجتذب السعادة كما يجتذب المغناطيس الحديد..
وأخيراً فإن هناك حقيقة مهمة، وهي ألا سعادة لأحد بدون تقدير من الله تعالى.. ودور الإيمان هنا هو في أن نطلب من رب العزة والجلال أن يجعلنا سعداء، ويوفر لنا أسباب النجاح، ويرشدنا إلى سبل الخير في الدنيا والآخرة.. فمن دون إرادته لن ينفع كل ما في الحياة في توفير ذرة من السعادة.
وهكذا فإن السعادة هبة من الله تعالى يمنحها لمن يشاء، ساعة يشاء، وكما يشاء.. ويسلبها عمن يشاء، ساعة يشاء وكيف يشاء، ولله في خلقه شؤون.. ولا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون.
غير أن ذلك لا يعني أن السعي وراء السعادة باطل، بل يعني أنها كالرزق وكالنجاح، بحاجة إلى توفيق الله تعالى، بالإضافة إلى السعي والعمل والنشاط.
* السعادة وطريق العطاء:
تسري السعادة في خط دائري.. وليس في خط مستقيم، وهذا يعني أنك لا تستطيع أن تحصل على السعادة إلا إذا أعطيتها لغيرك. فالسعادة كالحب لا تأخذه إلا إذا أعطيته.. فأنت لا يمكنك أن تحب من يبغضك، كما لا يمكنك أن تبغض من بحبك، فلا يمكنك أن تصبح سعيداً إن لم تسعد الآخرين.
من هنا قيل: إن الشخص الذي يمنح السعادة بسخاء يبقى لديه مخزون كبير منها، فهي مصدر من مصادر القوة التي تتضاعف عندما تمنحها. وهكذا فإن السعادة ترفض الاحتكار.. وهي تزدهر بالعطاء.. إن شرارة دافئة سوف تسري في أوصالك كلما قمت بعمل طيب تجاه الآخرين.. سواء تلقيت الشكر عليه، أم لا. بل ثمة سعادة أكبر يشعر بها أولئك الذين يقومون بعمل طيب ويبقونه سراً.
ومن هنا فإن من أراد أن يُسعَد فعليه أن يُسعِد الآخرين مع قطع النظر عن معرفة أولئك عنه، أو جهلهم به، ولا يجوز أن نجعل شكر الأطراف الأخرى، وعرفانهم، شرطاً مسبقاً لإسداء المعروف إليهم.. فليس مهماً أن يعرف الآخرون أنك سبب إسعادهم.. بل المهم أن تعرف أنت ذلك، وهذا أكبر سبب لسعادتك؛ لأنه هو الجزء الأفضل من حياة الإنسان.
إن صالح الأعمال - ومنه بالطبع العطاء للآخرين - من أفضل وسائل إسعاد النفس.. صحيح أن السعادة ليس لها مصدر واحد، إلا أن العمل الصالح هو من أكثرها إثارة وجمالاً. فمن سنن الوجود - كما يقول أحد الحكماء - أن السعادة والحرية ودعة النفس - وهي من أعز النعم الإلهية - لا نظفر بها إلا إذا منحناها للآخرين.
ويورد المؤلف أربع طرق لكيفية منح السعادة للآخرين:
أولاً: قرر العطاء للناس وخدمتهم: هناك مقولة قديمة تقول: (إن العطاء هو نفس الجائزة) وهذا أمر صحيح بالفعل.. فعندما تعطي فأنت تأخذ أيضاً.. وما تأخذه يتناسب مع ما تعطيه.. فكلما أعطيت أكثر بأساليبك الفريدة، فإنه تنتابك مشاعر السلام الداخلي أكثر مما تتخيل، فإنَّ الجميع في هذه العملية فائزون وخصوصاً أنت.
ثانياً: انفتح على الناس حتى ولو لم تكن تعرفهم.
ثالثاً: عندما تقدم المعروف للناس فلا تتوقع جزاءً في مقابله: إن الذي يطلب الجزاء على خدماته للناس لن يحصل على الشعور بالرضا الذي هو لب السعادة الحقة.
رابعاً: تخلص من الأنانية وحب الامتياز على الآخرين: فمن يريد دائماً أن يكون أعظم من الناس، وأكبر منهم، لن يشعر بالهدوء والطمأنينة.. بل يشعر بدل ذلك بالحاجة الملحة إلى كسب انتباه الآخرين.
* السعادة والصبر: ليست هنالك صفة أخلاقية إلا والصبر جزء لا يتجزأ منها؛ إذ لا معنى للأخلاق الفاضلة كالشجاعة والكرم وحسن التعامل وغيرها.. إلا إذا كان صاحبها يستديم عليها، ويصبر على نتائجها.
الصبر منبعه في القلب، ونتيجته تكون في القلب أيضاً، فمن يمتلك صفة الصبر.. فهو يمتلك قلباً أكثر سكينة وطمأنينة وسعادة.. فكلما زاد صبر المرء زاد قبوله للأمور، ومن ثم سعادته في الحياة.. فالحياة بدون الصبر محبطة للغاية.. ومن قلَّ صبره قلَّ تقبله لما هو عليه، ومن زاد صبره.. أضاف بُعداً من السكينة والرضاء على نفسه، ومن ثمَّ يحسن تعامله مع نفسه ومع الناس. إن الشعور بالصبر يعطينا الفرصة الجيدة للاحتفاظ برؤيتنا الصائبة للأمور، ويمكننا أن نتذكر حتى في غمار موقف صعب أنَّ التحدي الذي نواجهه في اللحظة الحاضرة.. ليس بمسألة (حياة أو موت) ولكن مجرد عقبة طفيفة.. علينا أن نتعامل معها ونتجاوزها.. وبدون الصبر.. فإن هذا الموقف نفسه يمكن أن يتحول إلى حالة طوارئ تامة.. بما تحتوي عليه من ضيق، وإحباط، ومشاعر مجروحة، وضغط دم مرتفع.. إن الأمر لا يستحق بالفعل كل ذلك. فسواء كنت تحتاج إلى التعامل مع الأطفال، أو رئيسك في العمل، أو شخص صعب.. وكنت لا ترغب في القلق بشأن (صغائر الأمور) فإن زيادة قدرتك على الصبر تعد بداية رائعة لذلك.
ونختم عرضنا لهذا الكتاب بجملة من الأقوال والحِكم المأثورة عن السعادة والسعداء أوردها المؤلف:
- ثلاثٌ من حافظ عليها سُعد: إذا ظهرت عليك نعمة فاحمد الله، وإذا أبطأ عنك الرزق فاستغفر الله، وإذا أصابتك شدة فأكثر من قول (لا حول ولا قوة إلا بالله).
- أسعدُ الناس العاقل المؤمن.
- حسبك من السعادة، ضمير نقي، ونفس هادئة، وقلب شريف.
- لا تتوقف السعادة على الحظ والبخت، وإنما على العمل ومواصلة الكفاح الدائم.
- إذا أراد الإنسان السعادة لنفسه فليحب ما لديه، ويقنع بما بين يديه، ويوفق بين مورده ومعاشه على الدقة وتقدير المنزلة، ولنعلم أنه لا يتيسر للمرء ذلكم إلا إذا أعمل الإرادة ولم يتبع رغبات قلبه، ولو كان بعضها محموداً.
- من اجتمعت لديه ثلاث، كان من أسعد الناس: الصلاح والصحة والمصلحة.
- تتوقف السعادة على ما تستطيع إعطاءه، لا على ما تستطيع الحصول عليه.
- السعادة الحقيقية تقوم على التوازن بين إشباع الروح وإشباع الجسد معاً، فالتعادلية هي سر السعادة في الحياة.
- إننا نبحث عن السعادة غالباً وهي قريبة منا كما نبحث في كثير من الأحيان عن النظارة وهي فوق عيوننا.
- الفضيلة هي الحكمة، والحكمة هي الصلاح، والصلاح هو السعادة.
- السعادة ثمرة إذا لم تنمُ في بيوتنا فمن العبث أن نبحث عنها في بيوت
الناس.
- إذا أردت أن تُسعد رجلاً، فلا تعمل على زيادة ثروته، ولكن حاول أن تقلل من رغباته.
- من أهم أسباب السعادة أن تكون على وفاق مع ذاتك.
- إن كنت تسعى إلى السعادة فاستقم تنل المراد وتغدو أوّل من سما.
- إذا أردت أن تعيش سعيداً خالي البال، فكن شجاعاً كالأسد، صبوراً كالجمل، نشيطاً كالنحلة، مبتهجاً كالعصفور.