روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، فجاء فقربت إليه عشاء فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما أن رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، أَلهم أن يمنعوها؟ قال: لا. فقالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب، ثم قال: تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني، فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان، فقال صلى الله عليه وسلم: (أَعرستم الليلة؟) قال: نعم. قال صلى الله عليه وسلم (اللهم بارك لهما في ليلتهما).
فمن النعم العظيمة، والمنن الكريمة، التي يجود بها الله عز وجل على عبده المسلم، أن يرزقه امرأة صالحة عاقلة، تخاف الله عز وجل فيه، تقوم بواجباته، وتؤدي حقوقه، وتحفظه بنفسها وماله، تعمل على إدارة شؤون منزله بحلم وحكمة، وما أسعد من تكون هكذا زوجته، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة من السعادة وثلاثة من الشقاء، فمن السعادة: المرأة الصالحة تراها فتعجبك، وتغيب عنها فتأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون وطيئة فتلحقك بأصحابك، والدار تكون واسعة كثيرة المرافق، ومن الشقاء: المرأة تراها فتسوؤك، وتحمل لسانها عليك، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون قطوفاً، فإن ضربتها لأتعبتك، وإن تركتها لم تلحقك بأصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق) والحديث في صحيح الجامع. فالزوجة الصالحة نعمة عظيمة، ومنة كريمة، بل هي خير متاع في الحياة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة) والحديث في مسند الإمام أحمد.
إن بعض الناس لا يهتم إلا بالجمال عند الزواج، فلا يسأل عن الدين، وهذا من الأخطاء العظيمة، ففي الحديث المتفق عليه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) يقول النووي رحمه الله: ومعناه: أن الناس يقصدون في العادة من المرأة هذه الخصال الأربع، فاحرص أنت على ذات الدين واظفر بها واحرص على صحبتها.
فالظفر بذات الدين، وصية النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أراد السعادة فعليه بهذه الوصية النبوية، ومن ترك وصية نبيه صلى الله عليه وسلم وراء ظهره، فلا يلومن إلا نفسه، والواقع أكبر برهان، الذين عملوا بهذه الوصية ها هم سعداء في بيوتهم، ومن لم يلقِ لوصية نبيه صلى الله عليه وسلم بالاً، ها هي تشتعل عليهم بيوتهم ناراً، وتتأجج شقاء وتعاسة، بل حرموا خيراً كثيراً بسبب عدم عملهم بوصية نبيهم صلى الله عليه وسلم، فقد وجد دعاة إلى الله عز وجل، اختاروا الجمال على الدين، فقعدت بهم زوجاتهم عن ركب الصالحين، وتاهوا مع التائهين، وكم من ناجح في حياته، جذبته زوجته إلى حياة الكسالى الخاملين، ومثلهم من كان يشار إليه بالبنان، وله مكانة في المجتمع، اندرس ذكره، وخفت صوته، لأنه سلم أمره، لامرأة سلبت عقله وتحكمت به من غير خوف من الله، فتنصل عن قوامته، وتنازل عن صلاحياته، التي جعل الله له، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).
ويوجد أناس بسبب زوجاتهم، صاروا من أفضل الناس، ووالله لو كانت زوجاتهم، من غير ذوات الدين، لكانوا من سقاط المجتمع، أو لأمضوا أعمارهم عزاباً عالة على غيرهم إلا أن يشاء الله، ولكن بفضل الله ثم بفضل زوجاتهم، الصالحات، صاروا في صفوف الرجال، ديناً وعلماً ومكانة وغير ذلك وكما قيل: وراء كل رجل عظيم امرأة.
ولكي ندرك نعمة الزوجة الصالحة، وأهمية دورها، نتأمل فيما حدث للنبي صلى الله عليه وسلم في بداية بعثته، حيث كانت أم المؤمنين، خديجة بنت خويلد - رضي الله تعالى عنها - في جانبه صلوات ربي وسلامه عليه، تهون عليه مما كان يعانيه من قومه، وتواسيه وتضع عنه همومه ومصاعبه، وقفت معه بنفسها، ووقفت معه بمالها، فرضي عنها صلى الله عليه وسلم، بل رضي عنها قيوم السموات والأرض، فأمر جبريل أن يبلغها السلام، ويبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا تعب فيه ولا صخب. تقول الصديقة بنت الصديق، عائشة رضي الله عنها، أم المؤمنين: ما غرت على امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، هلكت قبل أن يتزوجني، لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب، وإن كان ليذبَحُ الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن.
فحري بكل مسلم رزق زوجة صالحة أن يحمد الله عز وجل ويشكره فإنها نعمة عظيمة تستحق ذلك وقد قال سبحانه: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}.
(*)حائل ص ب 3998