Al Jazirah NewsPaper Monday  19/03/2007 G Issue 12590
مقـالات
الأثنين 29 صفر 1428   العدد  12590
لماذا نكتب؟
د. إبراهيم بن عبدالله السماري

قد يطرح سائل هذا السؤال: ما الذي يدفعنا للكتابة؟ وهل هي عملية سهلة أم صعبة? وهل نحبها أو نكرهها؟ فأقول: يجب أن تستمر في الأسئلة فتقول: لماذا نأكل؟ لماذا نشرب؟ لماذا نستنشق الهواء؟ إلى آخر لائحة (لماذا) التي لا يستطيع أن يحفظها أمهر نادل في العالم!!

الكتابة بالنسبة للكاتب مثل الأكل والشرب واستنشاق الهواء لا يستطيع الفكاك منها، وإذا حاول هجرها عاشت في مخيلته أسى وحسرة.

الكتابة اختيار سهل وصعب في آن واحد؛ ذلك أن بعض الكتاب تتحول الكتابة عنده إلى همّ يشغل حيزاً كبيراً من فكره ومشاعره؛ لأن همه هذا مؤسس على أهداف عظيمة ومؤثرة؛ فالكتابة عنده تتحول إلى حالة ولادة تحمل في طياتها كل آهات الولادة ومعاناتها.

وبعض الكتاب الكتابة عنده ليست سوى ترف ذهني مفرغ من المضامين والأهداف الحقيقية؛ فهي عملية سهلة لا تكلف أكثر من الحبر والورق والتلاعب بعدد من الألفاظ المزخرفة.

وبعض الكتاب الكتابة عنده ليست سوى تعبير عن مشاعر عدائية مكبوتة وآهات حبيسة ولدتها ظروف معينة.

كما أن بعض الكتابات تكون مفعمة بالحس الصحفي الذي لا يهدأ عن طرح أسئلة لا تكاد تكون أسئلة لوضوح أهدافها نحو تحريك الراكد من المشاعر والطموحات!

إذن اتجاه الإنسان للكتابة مرتبط بشكل وثيق بالدوافع، والدوافع للكتابة تختلف من شخص لآخر، وبالتالي فإن التفاعل مع الكتابة حباً وكرهاً يختلف باختلاف هذه الدوافع ومدى تأثيرها في نفس الكاتب.

لتوضيح الصورة فحسب فإن الأهداف النبيلة تخفف معاناة الكاتب مع كتابته؛ لأنه في سعيه لتحقيق تلك الأهداف يتعامل مع العوائق كما تتعامل الخيل المدربة مع حواجز السباق تدريباً ومهارة ورغبة في الوصول إلى خط النهاية بسلامة ونجاح!

أزيد من القول سطوراً كما زاد الشاعر من الشعر بيتاً فأقول:

الإنسان كائن حي مركب من مهارات وإمكانات وتعامله مع هذه الإمكانات والمهارات - كما هي حاله في كل شيء - يتأرجح بين الإفراط والتفريط، وقليلاً ما يستقر في منطقة الصواب والأفضل.

ربما سأل سائل: كيف؟ فأقول: الذي يملك مهارة وإمكانات الكتابة قد يتأرجح فعله بين الإفراط والتفريط؛ الإفراط حين يظن أنه وجد زمانه وفلتة عصره الذي لم يجُد بمثله فيتعالى على الحرف وعلى القارئ فلا يصبح لقوله بلاغ ولا تأثير.

والتفريط حين يتقاعس المالك لقدرة الكتابة عن الكتابة يسأل نفسه: لماذا أكتب والناس لا ينتفعون بما أكتب؟

وقد يسأل كاتب (ما) نفسه فيقول: الأمة مليئة بعلمائها فمن أكون أنا بينهم أو ماذا تكون أنت بينهم إذا كان السوأل موجهاً للغير؟ وهكذا هو شأن كل الأسئلة المحرضة على الإحباط والركون إلى الكسل.

جمود الطبع في الناس والقول بأنهم لا يستجيبون دعوى لا يسندها الدليل، والواقع يكذبها، فلماذا نشعل الأسئلة حولها لتحرق ما نملكه من طموح وإمكانات ومهارات؟

التيئيس واليأس واحتقار النفس من أشد الفواتك الحاصدة لسنابل العطاء وليس الكتابة فحسب، فلماذا لا نكافحها بكل المتاحات أمامنا عطاء وتميزاً؟

ملخص القيل أن يقال: إن الكتابة فعل محايد يمكن أن يستخدم في الخير كما يمكن أن يستخدم في الشر والذي يحدد وصفه قبحاً وحسناً، خيراً وشراً، هو نية الفاعل وسلوكه.

والعجب - حقاً - أن يتقاعس القادرون على الكتابة من أهل الخير، ويترددون في الولوج إلى هذا الميدان المؤثر لِيَلغَ فيه أهل الشر؟

هناك أمور ينبغي مراعاتها في عملية الكتابة:

الأمر الأول: عملية الاختيار والتخير، فكما تختار الأفضل والأنفع في غذاء بدنك وهو عين العقل، فمن باب أولى أن تختار الأنفع والأجود لغذاء فكرك باختيار أفضل ما يكتبه الآخرون، مما يعود عليك بالنفع في دينك ودنياك.

وكما تحرص على تخير الأفضل في لباسك وكسائك لتظهر أمام الناس بأحسن لباس فكذلك من الأولى أن تتخير أفضل حلة زاهية بالخير والرشد لتظهر بها أمام الناس عندما تكتب لهم.

الأمر الثاني: أن لبّ الكتابة هو اللغة، واللغة وسيلة اتصالية، والوسائل الاتصالية تكتسب قوتها بحسب قدرتها على الوصول إلى أفكار الناس وقناعاتهم؛ وبالتالي الفوز بقبولهم وبثنائهم، والكتابة اليوم أصبحت ذات قدرة عجيبة في الاتصال والتأثير.

فالكتابة هي أساس المادة الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية والإلكترونية؛ لأنها تدخل مكتب الرجل ومخدع المرأة دون أن تحتاج إلى استئذان أو أختام تأشيرات.

ثم إن انتشار وسائل الاتصال من وسائل إعلامية ووسائط اتصال زاد من قوتها وتأثيرها فلابد من العناية بأمر هذه الكتابة وتوظيفها فيما يفيد رغبة في تربية عقيدة أفراد المجتمع وصلاحهم والنهوض بذوائقهم الأدبية وتنمية ثقافتهم في مختلف مجالات الحياة. هذا وبالله التوفيق.

(*) عضو الجمعية السعودية للدراسات الدعوية

alsmariibrahim@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد