اطلعت على ما كتبه الدكتور أنور بن عبد المجيد الجبرتي في العدد رقم (12526) عمّا سطّره الأستاذ عبد الرحمن بن محمد السدحان في كتابه (قطرات من سحائب الذكرى). وبدايةً شكراً للدكتور الجبرتي على تقديم هذه الشخصية المتميّزة؛ شخصية الكفاح والنضال والعمل ونبذ الكسل وعدم الاستسلام للظروف والمحن. والحق أن الأستاذ السدحان لا يفيه كتابة مقالة أو اثنتين، بل إن كتابه المعروف ب(قطرات من سحائب الذكرى) ليس كل ما ورد، وليس هو قطرات. وقبل أن أعقّب على المقالة وأتطرق لجزءٍ من الكتاب الذي ألفه الأستاذ عبد الرحمن أحب أن أورد قصة لنُبل هذا الرجل وسعة صدره وغزير معرفته، قصة حصلت من شهور عدة، وهي أن الأستاذ السدحان كتب ذات مرة في شهر رمضان من عام 1427ه في عموده الأسبوعي ليوم الاثنين (الرئة الثالثة) عن الجيل النفطي الذي لم يعرف لهذه النعمة حقاً ولا قدراً، فكتبتُ معقّباً على مقالته وطالباً منه أن يكتب عن الجيل النفطي الآخر، وكان هذا في أواخر أيام شهر رمضان من العام نفسه. وبعد فترة وجيزة من الوقت وجدت رسالة على عنواني البريدي بخط يدوي من معالي الأستاذ عبد الرحمن بن محمد السدحان مهنئاً بحلول عيد الفطر المبارك، وبعده شاكراً لي على تعقيبي، واعداً إيّاي بكتابة مقالة عن الوجه الآخر في أيام لاحقة، وهو ما أعتبره ديناً سأطالب به الأُستاذ السدحان.
انظروا لهذه الشخصية؛ تواضع جمٌّ، وتقدير للرأي والرأي الآخر، وتقبُّلٌ لآراء الآخرين حتى لو لم توافق آراء الكاتب نفسه. وأنا هنا متأكد أن هذا الصنيع لم يكن عبثاً، بل نتاج عمل ما فتئ عبد الرحمن يعمل جاهداً ومصارعاً لأحلك الظروف التي مرَّ بها.
ودعوني أحدثكم عن الجزء الأول من كتابه (قطرات من سحائب الذكرى)، فعند قراءتي له تفاجأت في النهاية أن الكاتب سبق أن مرّت عليه مثل تلك الظروف التي تمر على الكثيرين منا، ووجدتني أتعاطف مع عبد الرحمن الطفل البرئ الذي فقد والديه في سنّ هو أحوج ما يكون فيه إليهما. وأثاب الله جد عبد الرحمن لأمه بسبب قيامه بمهام الوالدين بالتوافق مع زوجه آنذاك. بل أُذكِّر بحقائق عجز الكثير عن كتابتها، فمن يستطيع أن يقول عن نفسه إنه عمل في رعي الغنم وركب الحمار وهو يحتل الآن مكانة مرموقة، يتضجر الكثير وتثور ثائرته إن فتّش أحد في جعبة ماضيه.. بل يعتبر ما قيل انتقاص من حقه وإهانة له، بينما هو في الحقيقة لم يعمل محرَّماً، ولم يرتكب ذنباً، سوى أنه رعى الغنم أو عمل مزارعاً أو انتقل ورحل هنا وهناك. بينما معالي الأُستاذ عبد الرحمن السدحان كتب عن نفسه بأنه رعى الغنم وركب الحمار وعاش وصارع في خضم ظروف عصيبة من أهمها انفصال والديه عن بعضهما البعض..
مَن الكاتب صاحب الجرأة الذي يتذكر عبثه صغيراً برجم باب المنزل بالحجارة تارة وبعابري السبيل تارة أخرى؟! ومَن الذي يذكر اقتراضه وجبة الإفطار من بعض الزملاء في المدرسة ثم هو يرد القرض من غده أو من تبيعه؟! فمن يستطيع أن يوثّق سيرته بكلام كهذا؟! فالكثير والغالب وإن مرت عليه ظروف كما سبق فلن يذكرها بل يحاول جاهداً إيداعها في صفحة النسيان. ومَن الكاتب الذي لا يُلمّع ماضيه؟! هاهو عبد الرحمن يذكر خوفه من الكلاب التي تطارده، وها هي قصة معركته مع كلب العم محمد الطائفي قد أفرد لها باباً مسمِّياً ذلك الباب بأم المعارك مع الكلب الطائفي، وذلك في كتابه المذكور. ومَن الشخص الذي يذكر أنه كان يعمل سانياً بقيادة ثورين في مزرعة له أو لقريب منه أو غيرها؟! ها هو السدحان يورد قصته بذكر اسم الثورين (ريحان، صبيح) لإخراج الماء من بئر مزرعة جده. ومن قصة الثورين إلى تحوله لرعي الغنم.. هاهي الصراحة التي ينشدها الكثير من القراء، وهاهو الرجل الذي يستحق أن يُفاخر به.. شق عباب الحياة إلى أن وصل إلى ما وصل إليه.
بدر عبد الله عبد الرحمن الجلعود - حائل - سميراء - الرمز 81991 ص. ب 111