** بين أطلال الدرعية يحاضر التاريخ.. وبين مبانيها العتيقة.. وأسوارها المنيعة تتهادى الحكايا.. وتعزف أناشيد الخلود للرجال الراسمين بخطاهم الطريق المضيء الذي نسير عليه وستسير على هداه الأجيال القادمة من بعدنا.. في هذه المدينة الصغيرة التي نسجت فوق أرضها آلاف الأحداث ورسمت مئات الصور ووقف التاريخ يسجل بانشداه الحقيقة الكبرى التي اسمها الدرعية.. وأهالي الدرعية.. ورجال الدرعية.. ودعوة الحق التي انطلقت من أرجائها.. هذه المدينة الصغيرة الوادعة.. ذات العيون الواسعة المفتوحة.. عشت فيها أمس.. ولم أملّ وأنا أسلسل في نحيلتي ذكرى عظمة إنسان هذا البلد المتجلية بانطلاقه من قرية صغيرة.. كاد أن ينساها التاريخ.. وتعفيها آثار أقدامه.. لولا إيمان إنسانها وطموحه اللا محدود.. وعقيدته الصافية الجبارة. كنت أمس بالدرعية.. ولأول مرة.. وهذا مما يشعرني بالأسف فعلاً وبالاستخذاء تماماً وإن كنت أعتقد أن كثيراً من شبابنا ما زالوا - كما أنا - متهاونين في التّعرف على آثار الأوائل الذين سفحوا الدم غالياً لكي يكون لنا اسم ويكون لنا كيان.. ورغم أنها لأول مرة فلقد شعرت بالتلاحم التام بيني وبينها في كل خطوة أخطوها.. وشعرت بسقوط كل الفواصل.. كأنني أعرفها من قبل.. وكأنني أعرفها من بعد. ابن بشر.. وحده لم يتركني وحيداً رغم الفترة الزمنية التي تفصل المرء عن قراءته وصحبته وابن غنام صحبني منذ أن أطللت عليها حتى ودعتها.. كلهم كانوا أدلاء.. أصواتهم من بعيد تسوقني إلى تكبير العدسة.. وتوضيح الصورة.. فلم أعد أشعر بالغربة.. كانا معي يقولان كل شيء ولم يتركا أي شيء.
|