إنّ اللفتة الكريمة التي قام بها صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز بالتكفُّل بعلاج وتأهيل الطفلة المريضة (سلطانة) بمدينة سلطان بن عبد العزيز للخدمات الإنسانية جراء إصابتها باحتراق 50% من الطبقة السطحية للجسم، وتأثير ذلك على قدرتها على المشي مع بعض التشوُّهات وبتر أصابع القدم، ليست بغريبة على رجل الإنسانية والخير، فلعل هذه اللفتة تكون بلسماً شافياً للطفلة سلطانة ولوالديها، تمحو من ذاكرة الصغيرة وأهلها الألم والعذاب جراء الحادث الذي تعرضت له دون وجه حق ..
إنّ حالة الطفلة سلطانة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في ظل ازدياد أعداد الخادمات العاملات في المملكة العربية السعودية، فلا تزال حوادث العنف الموجَّهة من قِبل الخادمات ضد الأطفال في تزايد مستمر.
الأطفال حقيقة يواجهون هذا الخطر كل يوم دون حل جذري ينهي هذه المعاناة التي بدأت تكبر يوماً بعد يوم .. فوجود الخدم بات أمراً ضرورياُ لكل أسرة نظراً لاحتياج الكثير من الأمهات العاملات للخادمات في رعاية أطفالهن وتيسير شؤون المنزل أثناء تواجدهن في العمل، رغبة في المشاركة الفعلية من قِبل المرأة وتجاوباً مع خطط التنمية وتزايد أعباء المعيشة التي جعلت نزول المرأة إلى ميدان العمل ضرورة لا غنى عنها .. فأعداد النساء العاملات في تزايد مستمر، والرعاية التي تقدمها القطاعات الحكومية أو الأهلية للأطفال في سن الحضانة شبه معدومة، مع أننا نحتاج حقيقة لمثل هذه الرعاية التي تضمن للأم الأمن النفسي والراحة أثناء تواجدها بالعمل، فكثير من الأمهات تترك صغيرها عند الخادمة أثناء فترة العمل وفكرها مشغول بصغيرها الذي تركته بين أيدي الخادمة، التي لا تعلم أبجديات رعاية الطفل وطرق إسعافه لو حدث له مكروه فضلاً عن افتقار الكثيرات منهن للنظافة التي تعتبر من أهم الأمور الواجب مراعاتها في هذه السن الحرجة لنجنِّبه الكثير من المشاكل الصحية.
ففي كلِّ يوم نطالع حوادث جديدة للخادمات كان الانتقام من الطفل أو الأهل هو الدافع الأساسي في هذا العنف المتعمَّد.
لقد لجأت بعض الأسر في السنوات الأخيرة بوضع كاميرات مراقبة لمراقبة الخادمات، لتكتشف بعدها الوجه الحقيقي لهن .. فهذه إحدى الأمهات حينما رأت الانفعالات المصاحبة لطفلها من خوف وقلق عند رؤيته للخادمة فضّلت أن تكتشف سر هذا الخوف عن طريق كاميرا المراقبة التي صورت حجم العنف الذي يتلقّاه صغيرها كل يوم من صفع وصراخ وشتائم مستمرة، إضافة إلى افتقادها الاهتمام بالنظافة، كل ذلك جعل الأم تعجِّل بتسفيرها إلى بلادها دون تأخير.
لكن ما الحل البديل الذي ستسلكه الأم العاملة، هل نطالبها بالجلوس بالمنزل والاكتفاء بتربية الأبناء؟! نعم، قد يكون ذلك حلاً للبعض، لكن هذا الحل لن يناسب الكثيرات ممن كافحن للحصول على وظيفة والمشاركة في تحمُّل أعباء المعيشة التي باتت مكلفة، إذن لا بد من إيجاد حل سريع وعاجل لإيجاد حل لمعاناة شريحة كبيرة من النساء اللاتي يعانين من جراء ابتعادهن عن أطفالهن بسبب ظروف العمل.
إنها ساعات تمضيها الأم العاملة بعيدة عن أطفالها مشوبة بالقلق والتوجُّس من حدوث حوادث عنف أو إهمال من قبل الخادمة.
ألم يحن الوقت بعد لإيجاد بيئة آمنة ومريحة للطفل والأم معاً..
نحن بحاجة إلى حضانات نموذجية تحتضن فلذات أكبادنا لتؤمِّن لهم الرعاية الجسدية والنفسية والصحية، لينمو الطفل سليما معافى بإذن الله ، ونجنِّبه الكثير من السلبيات المترتبة على قضائه الساعات الطوال مع الخادمة وتعلُّقه بها ثم سفرها بعد ذلك إلى بلادها وحلول خادمة أخرى مكانها مما يولد المتاعب النفسية لديه من جراء هذا التغيير.
الكثير يتحدث عن حجم المأساة التي وصلنا إليها من جراء ترك الأطفال في رعاية الخادمات دون أن نتحرك خطوة واحدة في سبيل وقاية شريحة كبيرة من الأطفال الذين يعانون في صمت دون أن يتمكنوا من التعبير عن حجم المعاناة لصغر سن الكثير منهم.
نحن بحاجة لحضانات تشرف عليها وزارة التربية والتعليم لإيجاد البيئة المناسبة لنمو أطفالنا في جو نفسي مريح، وتكون فرصة لخريجاتنا من رياض الأطفال والطالبات المتخرجات من التخصصات الأخرى اللاتي يبحثن عن وظيفة في الالتحاق بخدمة دينهن ومجتمعهن، وتقدّم لهن دورات تدريبية في كيفية رعاية الأطفال والتعامل معهم وطرق الإسعافات الأولية، وتشرف على هذه الحضانة طبيبة وعدد من الممرضات اللاتي هن أقدر الناس على توفير الرعاية الصحية لهم.
إنّ الحضانات الحالية على الرغم من قلّتها تفتقد للنظافة والرقابة مما يعرض الكثير من الأطفال للمشاكل النفسية والنزلات المعوية وانتقال العدوى بسهولة بين الأطفال، إضافة لجهل القائمات بطبيعة العمل الحساس مما لا يمكنهن من التصرف السليم أثناء الأزمات الصحية مما قد يفاقم العديد من الأمراض لدى الأطفال، إنها ببساطة حضانات لتقديم العدوى والأمراض للأطفال مجاناً.
إنّ حضانات نموذجية هو حلم تطمح إليه كل امرأة عاملة تخاف على صغيرها وتنشد له الأمن والاستقرار النفسي ..
فلمَ ننتظر طويلاً لنرى هذا الحلم قد تحقق إلى واقع؟! مع أننا بأمس الحاجة إليه.
|