Wednesday 5th April,200612242العددالاربعاء 7 ,ربيع الاول 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الرأي"

شهر إطلالة المصطفى شهر إطلالة المصطفى
أ. د. عبدالعزيز بن محمد الفيصل

كان قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الدنيا في يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل، وفي هذه الأيام يظللنا شهر إطلالة المصطفى على هذه الدنيا بل إن اليوم الثاني عشر من هذا الشهر هو يوم الاثنين، فبقدوم المصطفى إلى هذه الدنيا ارتفع سهم العرب من المجد وشاركوا الأمم الأخرى في السمو والعز والشرف، فقدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الدنيا جمع العرب وألّف بين قلوبهم وأعلى شأنهمن فله منّا الحب والولاء.
لقد اقترنت نشأة نبينا باليتم فقد فقد أباه ثم فقد أمه، ورضع ونشأ في البادية فلم يعرف الترف ولين العيش، وعاش في صباه في كنف جده ثم فقد الجد فعاش في كنف عمه الذي يعول أسرة كبيرة مع قلة ما في اليد، هذه النشأة سلسلة من المتاعب والأحزان عاناها نبي هذه الأمة.
وقد اتصف صلى الله عليه وسلم بالاستقامة والأمانة وحسن الخلق حتى إنه عرف في أول شبابه بالأمين، وهذه الصفات الخُلقية تكمل الصفات الخَلْقيّة من إشراق الوجه واعتدال القامة وسمو الهامة في غير كبر ولا تعالٍ على الناس، فالتواضع سمة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد أتاحت له هذه الصفات العمل في تجارة خديجة حيث أرسلت إليه وطلبت منه الاتجار في ما لها فاستجاب لذلك وحفظ المال وربح في تجارته، وأتاحت له أمانته وضع الحجر الأسود في مكانه، فقد جددت قريش بناء الكعبة ولما وصل البناء إلى موضع الحجر الأسود اختلفت قريش في من يضع الحجر الأسود في مكانة من البناء، وتطور الاختلاف إلى نزاع حتى إن بناء الكعبة توقف لعدة أيام، فأشار عليهم أبو أمية بن المغيرة بأن يصطلحوا على أن يضع الحجر أول من يدخل من باب المسجد، فكان أول داخل النبي صلى الله عليه وسلم، فرضيت به قريش وقالت هذا الأمين، فأمر بإحضار رداء ووضع فيه الحجر ثم طلب من كل قبيلة أن تمسك بناحية من الرداء، فرفع الحجر إلى موضعه، ثم وضعه صلى الله عليه وسلم في مكانه. وكان صلى الله عليه وسلم لا يرغب في المجالس التي يطرح فيها لغو الكلام، ولذلك فقد آثر العزلة والتعبد في غار حراء والتفكر في الكون ومناجاة الله الخالق الوهاب، وعندما بلغ الأربعين من عمره صلى الله عليه وسلم اختاره الله لرسالته، فأوحى إليه في غار حراء فتحمل رسالة التوحيد وبلغها للناس في حدود طاقته وقدرته، فقد دعا إلى الإسلام سرَّاً ثلاث سنوات، ثم أعلن الدعوة وصبر على أذى قريش، فقد كان صلى الله عليه وسلم يحضر إلى جوار الكعبة فيصلي، وكانت قريش تستهزئ به فيصبر على ذلك، وقد امتد أذاها إلى ما هو أبعد من الاستهزاء، فقد قال أبو جهل: يا معشر قريش إنني عازم على فضخ رأس محمد بحجر فأسلموني أو امنعوني، وقد وعدته قريش بالحماية فحمل الحجر وأقبل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فلم يتمكن من إكمال جريمته فقد قال: إنني رأيت فحلاً من الإبل منعني من ذلك، وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم بحقبة تاريخية عصيبة عندما قاطعت قريش بني هاشم، ووقف أبو طالب بجانب النبي صلى الله عليه وسلم وأعلن حمايته له، ودفع شر القبائل العربية بما فيها قريش مهما اشتدت العواصف وعلا صراخ المناوئين، وقد أعلن حمايته في قصيدة طويلة منها قوله:


ولما رأيت القوم لا ود فيهم
وقد قطعوا كل العرى والوسائل
وقد صارحونا بالعداوة والأذى
وقد طاوعوا أمر العدو المزايل
وقد حالفوا قوماً علينا أظنه
يعضون غيظاً خلفنا بالأنامل
صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة
وأبيض عضب من تراث المقاول

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرتاح إلى بيت عمه في القصيدة نفسها:


وأبيض يستسقي الغمام بوجهه
ربيع اليتامى عصمة للأرامل

ولما أراد الله لهذا الدين العزة والانتشار قدم من أهل يثرب ستة رجال وأسلموا، ثم قدم إلى مكة ضعف العدد المتقدم وأسلموا، ثم جاء وفد من يثرب يدعون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى الانتقال إلى المدينة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى المدينة، ثم عزم على الهجرة إلى المدينة فخرج من مكة إلى غار ثور في أسفل مكة ومعه رفيقه أبو بكر، فاختفيا في الغار، وخرجت قريش تبحث عن محمد ووصلت إلى باب الغار وطافت حوله فرأت العنكبوت قد نسجت خيوطها على باب الغار وشاهدت حمائم على باب الغار فجزمت أن الغار لم يدْلِفْ إليه أحد منذ زمن طويل، فغادرت المكان، وقد أشار شوقي إلى حادثة غار ثور في قوله:


سل عصبة الشرك حول الغار سائمة
لولا مطاردة المختار لم تسم
هل أبصروا الأثر الوضاء أم سمعوا
همس التسابيح والقرآن من أمم
وهل تمثل نسج العنكبوت لهم
كالغاب والحائمات الزغب كالرخم
فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم
كباطل من جلال الحق منهزم

وغادر محمد صلى الله عليه وسلم غار ثور متجهاً إلى المدينة، فأرسلت قريش سراقة بن مالك ليرد محمداً إليهم، يقول سراقة: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً إلى المدينة جعلت قريش مائة ناقة لمن يرده إليهم، فعزمت على ردهن وركبت فرسي طمعاً في المال، وقد لبست لأمتي وأخذت سلاحي، فبينما أنا سائر في طريقي عثر بي فرسي فسقطت عنه، فقمت من عثرتي واستأنفت السير على فرسي فلما قطعت بعض الطريق عثر بي فرسي فسقطت عنه، قلت ما هذا؟ فقمت مرة أخرى وركبت فرسي، وسار بي حتى قربت من الركب وفيهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم ينظروا إلي، فعثر بي الفرس، وذهبت يداه في الأرض وسقطت عنهن فلما انتزع الفرس يديه من الأرض تبعهما دخان كالإعصار. هكذا كانت إرادة الله في حماية نبيه في غار ثور ثم حمايته في طريقه من مكة إلى المدينة، فمن كانت عناية الله معه فإنه لن يصاب بأذى، لقد سار محمد في طريق الهجرة حتى وصل إلى المدينة واستقبله المهاجرون والأنصار فانتشر الإسلام وأصبح له دولة في المدينة، فهجرته صلى الله عليه وسلم فتحت باب الجهاد على مصراعيه حيث كانت معركة بدر الكبرى وما تلاها من معارك الإسلام.
وقد أشاد الشعر بنبي الهدى صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد موته فتوالت المدائح النبوية التي كان من أولها قصيدة الأعشى التي مطلعها:


ألم تغتمض عيناك ليلة أرْمدَا
وعادك ما عاد السليم المسُهَّدَا

وقصيدة كعب بن زهير التي مطلعها:


بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ
متيم إثرها لم يفد مكبول

ومنها:


إن الرسول لنور يستضاء به
مهند من سيوف الله مسلولُ

وقد مدحه حسان رضي الله عنه، من ذلك قوله:


فإن أبي ووالده وعرضي
لعرض محمد منكم وقاء

وقد برز مدح النبي صلى الله عليه وسلم في القرن السابع الهجري على يد البوصيري، حيث عارض قصيدة كعب بن زهير بقصيدته:


إلى متى أنت باللذات مشغول
وأنت عن كل ما قدمت مسؤول

ثم صنع قصيدته الهمزية:


كيف ترقى رقيك الأنبياء
يا سماءً ما طاولتها سماء

وجاءت البردة فاشتهرت كثر من غيرها ومطلعها:


أمن تذكر جيران بذى سلم
مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم

وقد عارضها شوقي بقوله:


ريم على القاع بين البان والعلم
أحل سفك دمي في الأشهر الحرم

ولشوقي غير نهج البردة من القصائد الجيدة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم منها قصيدته:


وُلِد الهُدى فالكائنات ضياءُ
وفم الزمان تبسّمٌ وثناءُ

وأقول أخيراً نحن في شهر إطلالة المصطفى، ألا يستحق نبينا أكثر من هذا الثناء؟!.
email:

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved