Wednesday 5th April,200612242العددالاربعاء 7 ,ربيع الاول 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"محليــات"

يارا يارا
خطر الأيدلوجيات على الأمم
عبدالله بن بخيت

امتلأ التاريخ بالأيدلوجيا حتى قبل أن يعرف الإنسان المصطلح (ظهر هذا المصطلح في القرن التاسع عشر) ولكن أهم ما في الموضوع التباس هذا الشيء الذي نسميه أيدلوجيا بالدين. تداخل الديني مع الايدلوجي في وعي العامة وكأنهما شيء واحد. يضطر كثير من الكتاب عند مكافحة الأيدلوجيات إلى اللجوء إلى المناورات والتحايل حتى لا يقع ما يمكن أن يسيء إلى أهدافهم. بالمقابل يحاول الداعية الايدلوجي إلى تأكيد صلة الايدلوجيا بالدين حتى يحقق لايدلوجيته السياسية ما للدين من قدسية. ولكن ما هي الايدلوجيا ولماذا تتداخل مع الدين؟ إن أفضل جواب يمكن أن نحصل عليه هو بدراسة ما جرى في المملكة والعالم الإسلامي في فترة العقود الثلاثة الماضية وما سمي في المملكة بالصحوة وبروز وظيفة جديدة لم نكن نعرفها من قبل وهي وظيفة الداعية. قبل جيهمان لم يكن هناك شيء اسمه داعية وإذا وجد فهذا الداعية سنجده يعمل للدعوة في أوساط غير المسلمين، يعرف بالإسلام ويدعو له أي أن الداعية وهذا بديهي لا ينشط إلا خارج بلاد المسلمين أو في الأوساط غير الإسلامية في بلاد المسلمين. إذا لماذا ظهر ما يسمى بالداعية بين المسلمين. لماذا ظهرت وظيفة الدعوة إلى الإسلام بين المسلمين. هذه الوظيفة المبتدعة هي الحربة الأولى للتداخل بين الدين وبين الأيدلوجيات في المجتمع السعودي. ولأن وظيفة الداعية تتداخل في فكر العامة مع وظيفة الواعظ. صار هذا التداخل الخطوة الأولى التي بدأت فيه الأيدلوجيا تختلط مع الدين. فالناس في هذه البلاد تولي الشيخ أو المطوع كثيراً من الاحترام والتقدير. تلجأ إليه لتحقيق كثير من حاجاتها الروحية والمعرفية. فالمطوع كما كان في السابق هو الأكثر تعلماً والأكثر معرفة بكتاب الله ولكن علاقته بالناس لا ترقى إلى التدخل في العقيدة. لم يكن ينظر إلى نفسه على أنه أكثر حبا لله أو أن الناس منحرفو العقيدة يقوم هو بترميمها وإصلاحها. ولكن في وقتنا الحالي نرى أن مهمة الداعية لا تتوقف عند تبصير الناس بأمور دينهم بقدر ما تبحث وتتجه إلى تصحيح عقائدهم. قراءة عامة في المادة التي كان الدعاة (ومازال بعضهم) يبثها بين الناس في المساجد والمدارس والأماكن العامة تقودنا إلى طبيعة التصحيح العقدي الذي كان ينشده فكر الصحوة.
تركت قيادات الصحوة أمر تبصير الناس في شؤون دينهم إلى المشائخ التقليديين وتفرغوا للعمل في منطقة العقيدة. لانجاز ذلك رفعوا كثيرا من مسائل الخلاف أو المسائل البسيطة في أمور الدين إلى مرتبة الثوابت. إذا قرأنا أدبياتهم وكتبهم ونشراتهم سنجد أن هناك تركيزا عظيما على شيئين الأول الشكليات كاللحية والإزار والسواك وعباءة المرأة والشيء الثاني السياسة (تحت مظلة الولاء والبراء والجهاد) (لاحظ نشاط سياسي بلغة دينية) وفي نفس الوقت تركوا مسائل كثيرة خطيرة مثل العنصرية والقبلية والمناطقية الخ، لم يتعرضوا لها على الإطلاق. في النهاية تشكل جيل من الشباب له خصائصه ومواصفاته وايماناته العالمية. هذا الشباب يراوح فكره السياسي ابتداء من رفض الحكومات الإسلامية القائمة ومحاربتها إلى عدم الرضا وهذا أدنى الدرجات. لو قرأنا فكر أي رجل أو امرأة من جماعات الصحوة سنجد أن التوجهات السياسية والتوجهات الحزبية في فكره تسبق التوجهات الدينية أو الإصلاحية. فدعوة الصحوة لم تقم على الإصلاح بل على الاستقطاب. إذا نحن لم نكن أمام فكر ديني بقدر ما كنا أمام أهداف سياسية مخبأة داخل الدين. من هنا يمكن أن نعرف الايدلوجيا على أنها: فكر تعبوي يهدف إلى تعبئة الناس بما يخدم أهداف سياسية باسم الدين والعقيدة. ولكي نكون أكثر دقة سنعرض بعض أهم العمل التعبوي الأيدلوجي والآليات التي تقوم عليها الأيدلوجيات ليتسنى للقارئ مقارنتها بالأساليب التي استخدمها قيادات الصحوة في المملكة.
يسرد محمد الرحموني في كتابه (الدين والايدلوجيا) الطرق التي يستخدمها أصحاب الايدلوجيا السياسية لبلوغ أهدافهم.
1: الاستقطاب.
2: التمييز بين الأنصار والخصوم وبين الأصدقاء وبين الأعداء تمييزا واضحا وجليا.
3: التعبئة وتعيين الأهداف مع ما يتطلبه ذلك من خطاب ملتبس متعدد المعاني والدلالات.
4: الاختزال والتبسيط أي تقديم وصفات فكرية جاهزة.
5: الانتقاء. فالحكم الايدلوجي في عمقه حكم قيمة لا حكم واقع لذلك تقوم الأيدلوجيات بإخفاء ما يكذبها وإظهار ما يؤيدها.
6: التبرير أي تقديم تأويلات للوضعية تجعل الممارسات والاختبارات مستساغة ومشروعة.
إذا الأيدلوجيات هنا وبمقارنة بما حدث في المملكة يمكن أن نختصرها بقولنا: الأنشطة السياسية المختفية في الدين والهادفة إلى الاستيلاء على السلطة عبر التعبئة العامة. لو قرأنا النقاط المشار إليها أعلاه سنلاحظ أنها تنطبق بدقة على نشاط فكر الصحوة طوال العقود الثلاثة الماضية. فكل نقطة من النقاط السابقة استخدمت بدقة متناهية. بقراءة مقارنة بين هذه النقاط وبين ما كان يقوم عليه نشاط الصحوة سنجد شروحات لكثير من الأمور التي جرت. على سبيل المثال يسأل كثير من الناس عن السبب الذي يجعل فكر الصحوة يهتم بالشكليات كاللحية والثوب القصير وعباءة المرأة. ولكن بتأمل النقطة الثانية التي تعمد إلى وضع خط فاصل بين الأصدقاء والخصوم كان لابد من وضع صورة معينة للإنسان الصحوي سواء امراة أو رجل فعمد فكر الصحوة إلى وضع هذه الشكليات المظهرية ضمن أساسيات الانتماء إلى التوجه الذي يدعو إليه فرفعها إلى درجة الثوابت. بهذه الطريقة يستطيع الصحوي أن يتعرف على رفيقه الصحوي بسهولة. إذا كانت هذه المظاهر شكلية على المستوى الديني فهي جوهرية على المستوى التنظيمي السياسي.
السؤال ماهي النتائج التي يمكن أن تحدث لو أن أيدلوجيا الصحوة انتصرت وصارت هي الايدولوجيا السائدة في الأمة؟ يمكن أن نحصل على جواب هذا السؤال من خلال تجارب الأمم الأخرى التي منيت بأفكار وأيدلوجيات مماثلة.

فاكس: 4702164

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved