الحواضر العربية تعامل معها أهلها على أنها المركز واعتبروا بقية العالم العربي أطرافاً.. وهذا ولَّد حالةً من ردَّات الفعل المعاكسة لدى مَنْ وصفوا بالأطراف فأصَّلوا ذلك المفهوم وزايدوا عليه وتفاخروا بأنهم طرف.. ورفضوا الاندماج مع المركز.
هذا المنهج في التفكير وما يصاحبه من ردات الفعل انسحب على حالات عديدة من العلاقات العربية العربية حتى في المجتمع الواحد.. ولعلنا لو نظرنا إلى حالة البداوة في مقابل المدنية كمثال.. لوجدنا حالة مؤلمة من حالات الرفض العنصري التي تحولت إلى عنصرية بذاتها.
فالبداوة حالة معيشية.. وتعريفها العيش في البادية.. فمن ترك العيش في البادية وانتقل للاستقرار في المدينة لم يعد بدوياً.. أيضاً البداوة لا تعني التخلف العلمي أو الحضاري أو الثراء أو الفقر أو الشجاعة أو الجبن أو الكرم أو البخل.. فهي حالة معيشية كما قلنا ولم يُنظر لها في تاريخ العرب كله على أنها صفة تخص مجموعةً أو عرقاً أو منطقةً.. إلا إذا كنا سننطلق من نظرة أبي فراس الحمداني من أنَّ كل غريب للغريب نسيب.. أو أن ننطلق من حالة تقارب المتشابهين.. حسب قاعدة أن الطيور على أشباهها تقع.
الوضع القائم حالياً هو أن البداوة صارت في نظر البعض قومية بذاتها.. ونظر آخرون إليها على أنها حالة ثقافية وهذا يتنافى مع التعريف الصحيح لمصطلح البداوة.. فأنت تجد ابن المدينة الذي ولد وتربى فيها ينظر إلى نفسه إما أنه من فئة البدو أو أنه من فئة الحضر.. وهذا ولَّد حالة من العنصرية المتبادلة.
لا بد من التأكيد بالإعادة والزيادة على أن البداوة مجرد حالة معيشية ولا يجب أن تتجاوز في مفهومنا وإدراكنا لمعناها ذلك المنظور. ومحاولة بعض الناس - للأسف - ترسيخ مفهوم أن البداوة قومية أو حتى ثقافة وتحولها إلى حالة فخر أو إلى حالة هجاء.. هو فكر ومفهوم يجب النهي عنه والسعي إلى إلغائه.
وأنا هنا لا أَعترِضُ على أن البداوة حالة ثقافية.. لكني أَعترِضُ على أن تكون هناك ثقافة خاصة بفئة صنفت نفسها أو صنفها غيرها بالبدو وقصرها على تلك الفئة فقط.. فالثقافة الشعبية من رواية الشعر النبطي وبناء بيوت الشَعر واقتناء الإبل كلها أمور مصدرها الثقافة البدوية.. لكنها حالة مطروحة للجميع يمارسها ويستمتع بها الحضر ومَنْ صنفوا أنفسهم بالبدو.. وفي واقع حالنا اليوم في المملكة العربية السعودية لم يعد لدينا بدو رُحَّل.. ينطبق عليهم بالفعل مصطلح البداوة.. فالجميع اليوم يقيمون في المدن والقرى.. وإنْ كانوا يملكون الإبل في الصحراء ويزورونها في عطلات نهاية الأسبوع وإجازات الربيع.
إن تعدد أطياف المجتمع وفئاته قد يكون صحياً ونافعاً إذا كان سيولد التنافس والتدافع والتقدم إلى الأمام.. لكن أن يتحول إلى حالة من العنصرية والعنصرية المضادة.. أو يكون حالة من الترصد وتبادل مشاعر الازدراء والنفور.. الذي يتحول بعض منه إلى عداء وتآمر.. حينها يعيش المجتمع حالة من العداوات الحبيسة المؤجلة التي تنتظر السبب أو المبرر لانفجارها.. فهذا ما نخشاه وما لا نريده لأن ذلك خطر على مجتمع متجانس ومترابط، نحاول جميعاً أن يظل قوياً عصياً على الشرذمة والتفكك والاندثار.
|