Wednesday 5th April,200612242العددالاربعاء 7 ,ربيع الاول 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"دوليات"

هل يمكن بالفعل قصف المفاعل النووي الإيراني؟ (1-3) هل يمكن بالفعل قصف المفاعل النووي الإيراني؟ (1-3)
د. وحيد حمزة عبدالله هاشم

من الممكن رؤية السياسة إن كشفت عن وجهها الحقيقي الذي عادة ما يتخفّى عن الأعين، ويحرص على العمل من وراء الستار ومن خلف الكواليس. وبذات المنطق من الممكن ألاّ نرى السياسة (وهي القاعدة) إلاّ بعد أن تفعل ما تريده أو ما أن تحقِّق غاياتها وأهدافها، فحقيقة السياسة تعكس اللاحقيقة ومشاهدة السياسة لا تكشف عن حقيقتها الواقعية التي دائماً ما يتم التكتُّم والتستُّر عليها وإخفاء معالمها وتوجُّهها ومسارها الى ما بعد وقوع الحدث ... فالعين المجرَّدة لا ترى إلاّ الظاهر أو الخارج فيما يستحيل رؤية الباطن السياسي.
السياسة إذاً كالزئبق الذي يصعب استقراره في أي مكان أو موقع لم يخصص لاستقراره، بل إنّها كالسراب الذي يخدع العيون ويضر بمن يؤمن به أو يعتقد بصحته. لا شيء مستحيل في فقه السياسة، ولا شيء ممنوع في قوانين السياسة، ولا شيء غير متوقّع أو ممكن في شرع السياسة وأخلاقيّاتها، فمتون السياسة تتمحور حول عرينها، ومثالية يمكن أن تتحوّل إلى حقيقة واقعية بل وكابوس خانق والعكس أيضاً صحيح.
التحوُّل في السياسة تحوُّل سريع جداً ويتوالى بشكل غير مسبوق لا بل بشكل غير طبيعي، وما يعلن في العلن عن السياسة قد يختلف تماماً عما يراد تحقيقه أو إصابته .. فمن الممكن أن تتحوّل الأحلام في السياسة الى واقع، ويغدو الخيال المستحيل حقيقة ملموسة وأمراً مفروضاً لم يكن محسوباً في الحسبان وجاءت الضربة أو الكبوة على حين غرّة قبل أن يحس المرء بدنوِّها أو أن يدرك اقترابها منه فيكون في وضع من فاته الأوان.
هذه الحقيقة وهذا الواقع السياسي ينطبقان على مرجعية السياسة الغربية وأخلاقياتها وقيمها التي تؤمن بمنطق ميكافيللي (الغاية تبرر الوسيلة). لذا منذ عصر الاستعمار ومروراً بعصر الإمبريالية، ونهاية بعصر العولمة تحيك القيادات السياسية الغربية ما تحيكه من سياسات في الخفاء المطبق، وتخطط لما تريد أن تحققه مستقبلاً بسرية تامة من وراء الكواليس، وما معاهدة سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا العظمى، ووعد بلفور البريطاني إلاً فيض من غيض وجزء من كلٍّ لم يظهر ويُعرف وقد لا يظهر ولن يُعرف.
لهذا يغلب على السياسة الغربية في عرين السياسات الخارجية التفكير الواقعي البراجماتي في عمليات التعامل مع التطورات والأحداث. وتتميّز السياسات الخارجية الغربية بالتقييم الحسابي الدقيق لمجمل الأرباح والخسائر السياسية وغير السياسية التي لا تخلو في العادة من بدائل إحلال وأدوات تبديل. كما ويغلب على السياسة الغربية حقائق النظرة الواقعية لمعرفة ما يمكن أن يتمخّض عن الأحداث وتطورات الأحداث وتداعياتها.
أخيراًَ تتبنّى السياسة الغربية للسياسة الواقعية البحتة من حيث المبدأ ومن حيث الأهداف، ومن حيث الديناميكية العملية الوظيفية والمهنية القائمة على قواعد من التخصص الدقيق التي تمهّد بشكل تلقائي لتنفيذ متطلّبات الحركة الواقعية المخصصة للتعامل الأفضل مع الأحداث والتطورات والمستجدات، الأهم من ذلك كلّه أنّ توزيع الأدوار والمهام على الأطراف الغربية المعنية بالحدث أو بالمصالح عملية سياسية غربية متقنة تنفّذ بدقّة وبمهارة فائقتين منذ أن اتفقت كلٌّ من بريطانيا وفرنسا أثناء الحرب العالمية الأولى على نبذ الحرب بينهما والتحالف الوثيق واقتسام الغنائم والتركات ومناطق النفوذ في العالم.
هذا ما يمكن استشرافه وتوقُّعه بل وتتبُّعه من حركة السياسة الأمريكية - الغربية تجاه الأزمة مع إيران التي تتمسّك بتخصيب اليورانيوم لبرامجها النووية وتسبب تصلُّبها في تحويل ملفها لمجلس الأمن الدولي وتلويح الأخير مع ألمانيا بفرض عقوبات على طهران في ذات الوقت الذي استبعدت فيه واشنطن توجيه ضربات عسكرية جوية وصاروخية ضد المنشآت النووية الإيرانية في الوقت الراهن وهي إكليشة سياسية مبدأية أو لنقل مقدمة تمهيدية لتطورات سياسية عكس المعلن عنه تماما.
نعم لقد غدا الملف النووي الإيراني هاجساً غريباً جماعياً بدرجات متفاوتة، فالخطر النووي الإيراني تتخوّف منه جميع الدول الغربية خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية التي ما زال العداء التاريخي الحديث بينها وبين إيران قائماً إلى أن تتحقق التنازلات المعنية والمطلوبة التي قد تحوِّل العلاقة بين الدولتين 180 درجة.
واشنطن حرصت على أن تتحرك ضد إيران مع السرب الغربي الأوروبي الذي تتحرّك معه أيضاً كلٌّ من روسيا الاتحادية والصين الشعبية. وعلى طاولات الحوار الإيراني الغربي وبمساعدة غربية منفردة، وبتوصيات روسية مكثفة، اتبعت واشنطن المسار الصحيح ولم تخرج على الخطوط الحمراء وانهمكت في محادثات سياسية ودبلوماسية مكثفة مع إيران على مختلف المستويات الرسمية وغير الرسمية، كما ولجأت إلى أساليب دبلوماسية متنوعة بداية من التحفيز والترغيب وإلى التوعُّد والترهيب بغية ثني إيران عن الاستمرار في تطوير قدراتها النووية.
ومن جانبها لم تقف الدول الأوروبية (الترويكا الأوروبية) مكتوفة الأيدي حيال التشدُّد الإيراني في التمسُّك بخيارها النووي، إذ لجأت إلى آليات التعامل المرن مع الملف الإيراني وفقاً لمنهجية سياسية متفتحة لا تخلو من الشدّة والصرامة ... الهدف الأوروبي أيضاً كالهدف الأمريكي ... الحرص على قفل الملف النووي الإيراني إلى الأبد.
وفي الجانب المقابل للخصوم الغربيين، وبذات المنطق الغربي يغلب على السياسة الخارجية الإيرانية طابع التمرُّد الذي لا يخلو بالطّبع من الاعتراف البراجماتي بالواقع وبالسياسة الواقعية، لكنها سياسة فارسية على النمط الإيراني تندرج في مغلّف إيراني الصُّنع دوجماتي الفحوى، قوي في الاندفاع مشرب بالضغوط العقدية التي لديها حساسية مفرطة جرّاء التعامل مع حقائق البيئة الدولية التي تنحو باتجاه كبح حرية الحركة الفردية الإيرانية وتحرص على تنميط السلوك الخارجي الإيراني وقولبته بشكل محدد.
إيران تدرك تماماً هامش الحرية المحدود للسياسة الخارجية للدول الصغرى خصوصاً في الجزء العسكري منه وعلاقته بكافة المتغيّرات في العلاقات الدولية، كما وتدرك طهران أيضاً ضيق المساحة السياسية للدول الصغرى خاصة فيما يتعلّق بحق صناعة القرار الوطني أو القومي وتنفيذ القرار الإستراتيجي الذي دائماً ما يتم ربطه بإحكام بقمم مصادر القرار الدولي على مستوى الدول الكبرى وخاصة في مجلس الأمن الدولي .. أخيراً تدرك إيران أنّ حق تقرير المصير وحرية تحديد واتخاذ الخيارات القومية مرهون بيد الدول الكبرى التي تضع نفسها في وضع الوصاية على جميع دول وشعوب العالم الثالث.

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved