كان لدولة (سوريا) تجربة مميزة مع اللغة العربية، فقد حولت (توجهاتها القومية) طوال الأجيال الماضية إلى أرض التجربة والواقع، فجعلت اللغة العربية هي اللغة الرسمية التي تدرس بها جميع العلوم في الجامعات السورية، بما في ذلك الطب.
ولأن عمليات الترجمة كانت تتطلب الكثير من الجهد والوقت واللجان ولاسيما في ظل الوتيرة التصاعدية التراكمية للعلوم المتبدلة يومياً على الصعيد العالمي، فإنك حين تطلع على بعض كتب الطب أو التشريح مثلاً، تجدها هي بدورها بحاجة إلى ترجمة، نتيجة صعوبة نقل المصطلح من الفضاء اللغوي الذي نشأ فيه وعبر عنه ومن ثم وصله بلغة مغايرة ومخالفة ومنقطعة عن السياق الذي أنتج المصطلح.
تلك التجربة تثير في النفس الشجن واللوعات حينما ترى ذلك الإصرار النبيل على التعبير باللغة العربية في ظل هجمة عالمية تحل علينا كغيمة ضبابية لا نستطيع النجاة منها.
صفير عربة الزمن مرتفع ومرعب ومن لا يستقل القاطرة الأخيرة فهي ستتركه يتسول على ضفاف الأمم المتقدمة والمتحضرة التي أعجزتها الأرض فقفزت باتجاه السماء تنقب الكواكب والنجوم عن أرض جديدة قابلة للاستعمار.
إنه قانون الزمن وسنن التاريخ المكتسحة التي تأخذ في طريقها جميع أولئك الضعفاء والعاجزين عن تطوير أدواتهم للدخول إلى قاطرة التاريخ.
لن أستجير هنا بقصيدة (حافظ إبراهيم) هل ساءلوا الغواص عن صدفاتي؟
تلك القصيدة التي نلوح بها في كل مناسبة وكأنها سفينة تقينا هجمة الطوفان العارمة, ولكن هل أبراج اللغة التي نصنعها من الغيوم والسحاب ومادتها الهشة المتفتتة ستحميها من لون الواقع وطعمه وقوامه؟
|