ما من شك ان القدوة أو المثال خير معلم في التربية. ويعدل المثال الحي والقدوة الصالحة أي مذهب او نظرية او موعظة من المواعظ كائنا ما كانت حكيمة!
غير أنه لا يجوز ان يتحرك الطفل الى العمل او ان يرتدع عن العمل بالرجوع دوما الى المثال والى المقارنة بالغير.
فمن العادات الشائعة في التربية ان يلجأ الكبار الى هذا الأسلوب دون غيره كي يحملوا الولد على فعل من الافعال، فيقولون مثلاً:
- انظر الى رفاقك.. كلهم احسن منك!! وماذا يقال عنا لو رآك الناس؟
الى غير ذلك من أساليب التنشيط بواسطة المقارنة بمثال الآخرين.
والحق يقال ان هذه المنافسة تحرك عموماً في نفس الطفل عاطفة الكبرياء والحسد وتجره الى الرغبة في مغالبة رفاقه، وربما استطاعت مالا تستطيع المواعظ والارشادات، لكن هذا الاسلوب لا يخلو من مساوئ اذ يتعود الطفل على العيش لاجل ( ما يقال عنه) ويتعلم الرياء وحب المظاهر منذ نعومة اظافره، واذا أتى فعلا محموداً فإنما يبتغي اعجاب الآخرين به، واذا ارتدع عن فعل مذموم فإنما يخشى مذمة الناس له. بحيث ان المقاييس الاخلاقية تصبح كلها في نظرة نسبية لا معنى لها إلا في صلتها مع الناس فليتصور المرء نتيجة هذا الاسلوب التربوي متى بكر الولد ومارس مهنة وساق سيارة مثلا. فإنه بموجب ما تلقنه صغيرا يصبح يجتنب مخالفات قانون السير ما دام يعرف ان الشرطي يراه!! أما اذا ايقن انه لا شرطي في الشارع فلا يتردد حينئذ عن ارتكاب المخالفات. وقس على ذلك سائر مواقفه في الحياة اليومية.
وكيف تنشأ في نفسية الطفل والحالة هذه، شخصية مستقلة وقاعدة اخلاقية ومثل عليا راسخة لأوصال بينها وبين اقاويل سائر الناس؟
واخطر ما في هذا الاسلوب التربوي أنه يلجأ الى ما يسميه علماء النفس (المنطقة السفلى) حيث الحسد والنفاق والكبرياء وحب العظمة والتباهي والاعتداد بالذات الخ. بينما الافضل اللجوء الى (المنطقة العليا) حيث حب الخير لأجل الخير والاستقامة لأجل راحة الضمير وبمعزل عن رأي الناس.
|