عندما تفتح عينيك على وجه أمِّك، أو أذنيك على صوتها، فإنَّ شيئاً منها يغسلك من الداخل فيطهِّرك...، فكيف إن كانت معك وبجوارك تراها وتسمعها وتشمّها وتقبِّلها؟!
الأم.. المنحة الإلهية الأثمن... ولكن؟
عندما تغيب...
يختفي صوتها ووجهها...
فإنَّ فراغاً كبيراً تُدوَّم فيه كلُّك... تعتصفك لولبة هذه الدَّوامة...، ويلفُّكَ فراغها.. ولا تجد ما يغسلك فيعتورك الغبار...
... منذ غادرتني أمي...
داهمني الغبار...
هذا لكم...
ما هو لي أقول:
لم تكاتبني بل هاتفتني منال السويد من الخرج...، لم تيأس حين لم يتح لي وليس لها فرصة الإجابة عن مهاتفتها المتكررة.. ذلك لأنَّها لا توافق وجودي حين تمثِّل منال خلف الهاتف... وحين وجدتني... أفضت «برجاء حار» أن أكتب عن «وضع البنت في بيت أهلها»... كيف يفرِّق الأب بينها وبين أخيها في المعاملة، كيف لا تلتفت فتجده أمامها في لحظة أن تحتاج إليه، لا يشاركها مراحل نموها، ولا يقابل احتياجاتها، ولا يحلُّ مشكلاتها، ولا يوجِّه سلوكها، ولا يرعى وجدانها، ولا يكتشف قدراتها، ولايعرف توجُّهاتها،... أب بالمسمى فقط، وبانتماء الصُّلب، بينما يفعل القليل من هذا مع «الولد» وهذا القليل لا تندرج تحته هذه الأمور كلَّها بل يقتصر على منح هذا الابن ما شاء من الحرية، والمال، حتى إذا ما واجه مشكلات وعادةً تكون «كبيرة» قد تصل «للأهمِّية» يتنصَّل عن مسؤوليته، ويتفلّت عن الوقوف بجواره...، ويتحوَّل اللَّوم والتقريع إلى الأم التي هي بدورها ينقصها اهتمامه وتحتاج إلى رعايته.
منال تقول: إنَّ الرجل في الأسرة لا يقوم بدوره في الوقت الذي فيه تعدّدت المسؤوليات والمتغيرات وبات الأمر يحتاج إلى علاج سريع..
قلت لمنال: لقد كتبنا في هذا الشأن...، وبُحَّت أقلامنا بمثل ما بُثت آراؤنا، بمثل ما بُحَّت أصواتنا...، بمثل ما دُرست هذه القضية، بمثل ما يدركها الجميع، لكن يا صغيرتي إنَّ أمر إعادة تعديل سلوك الآباء في كل بيت، ومعالجة آثار مفاهيمهم وأعرافهم، وثقافتهم وقيمهم يحتاج إلى زمن وجهود وبرامج تبدأ بالتربية وتنتهي بالتعليم، وتدخل في شأنها كافَّة الأمور التَّفصيلية للتنشئة الاجتماعية.. فإنْ لم يتحقق في الجيل القائم على الوالدية الراهنة فإنَّه يُتطلَّع إلى الأجيال القادمة التي يحتاج أمرها إلى النظر الدقيق والعمل الجاد كي تنشأ بمفاهيم قويمة وتكون على سلوك منضبط، لا تفريق فيه بين الأبناء ولا تفريط فيه عن مسؤولية ولا تخل فيه عن دور.
ولعلكِ أن تكوني إحدى أمهات المستقبل مِمَّن ينشئن الأولاد تنشئة صحيحة.. على ما تتمنين من السلوك بما تتلافين فيه الواقع الذي تنقدينه في البيئة.
عنوان المراسلة: الرياض 11683 ص.ب 93855
|