Saturday 30th November,200211020العددالسبت 25 ,رمضان 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

مأزق الواقع بين مثالية المنهج وتطبيقاته مأزق الواقع بين مثالية المنهج وتطبيقاته
عبدالعزيز السماري

مأزق تفاقم الفجوة بين النظرية والتطبيق إشكالية وخصوصية عربية على وجه التحديد، فإطلاق المفاهيم المثالية الإسلامية في خطب الوعظ، وعلى صفحات الجريدة، أو عبر أثير الإعلام المسموع والمرئي، صار سمة من سمات الفكر الإسلامي، وغلوها في التجرد من ملامسة مشكلات العصر، وعجزها عن إيجاد الحلول المتطابقة مع جوهر النظرية اعتاد عليه الإنسان المسلم، وصار في وضع يجعله يحاكي من بعد مثالية مفرطة في العلو عن الواقع لحل مشكلاته اليومية..
فالإسلام حث وأجاز الملكية الفردية نظرياً في العصور الاولى ولكن لسبب ما لم تتطور نظرية رأس المال في وسط عمراني اسلامي ولم تزدهر الأمصار اقتصاديا ولم تساهم قوى اقتصادية في قوة الامبراطورية الإسلامية في العصور الوسطى، بالرغم من التشابه الكبير بين المدينة الإسلامية و«الكالفينية» عمرانياً، والكالفينية هي المذهب الذي خرجت منه نظرية رأس المال في الغرب، ولم يلحق«الشرق» المسلم بتطبيقات نظرية رأس المال، وتطور نظم وأساليب الملكية الفردية إلا في القرن العشرين..، وقد صاحب بعض تطبيقاته لها انفتاحا وتحرراً اقتصاديا يماثل بدايات نهجها«المتطرف».. في الغرب..
والتكافل الاجتماعي هو أيضاً أحد أهم أطروحات الإسلام«النظرية» لحل مشكلات الإنسان اليومية، والفكر الإسلامي يزخر بتعريفات وشرح واف لأهدافه الإنسانية، ومنها أن يكون أفراد المجتمع مشاركين في المحافظة على المصالح العامة والخاصة ودفع المفاسد والأضرار المادية والمعنوية بحيث يشعر كل فرد فيه أنه إلى جانب الحقوق التي له عليه واجبات للآخرين، وخاصة الذين ليس باستطاعتهم أن يحققوا حاجاتهم الخاصة وذلك بإيصال المنافع إليهم ودفع الأضرار عنهم، والإسلام أقام تكافلا مزدوجا بين الفرد والجماعة، فأوجب على كل منهما التزامات تجاه الآخر، ومازج بين المصلحة الفردية، والمصلحة العامة بحيث يكون تحقيق المصلحة الخاصة مكملا للمصلحة الفردية والمصلحة العامة متضمنا لمصلحة الفرد، فالفرد في المجتمع المسلم مسؤول تضامنيا عن حفظ النظام العام، كما أن الفرد مأمور بإجادة أدائه الاجتماعي لكي يكون وجوده فعالا ومؤثرا في المجتمع الذي يعيش فيه..، وأيضاً لأسباب أخرى، وبالرغم من وجود أصل المقصد الشرعي السامي في الإسلام، تأخر كثيرا إدراك تطبيقات التكافل الإنسانية والاقتصادية في المجتمع الإسلامي..
ولأسباب موضوعية، شعرت أن نهج الشركة الوطنية التعاونية للتأمين«حسب معلوماتي» يحمل معاني تكافلية إسلامية، و«يهدف إلى ترسيخ قيم جليلة كالتعاون والتكافل الاجتماعي بين المؤمّن لهم. فالمبدأ التعاوني للتأمين لا يقوم على مبدأ الربح كأساس، بل يعمل على مواجهة الأخطار في المقام الأول، ويتعاون المشتركون فيما بينهم وفقاً لهذا المبدأ على تعويض أي فرد منهم يتعرض للضرر بفعل واحد من الأخطار التي تم تحديدها مسبقاً، وقصص مآسي الحقوق الخاصة في السجون نتيجة عجز المتضررين عن دفع تكاليف الأضرار المترتبة عن خطأ غير«مقصود»، طالت أسراً كثيرة، وأدت إلى سقوط بعضها تحت خط الفقر والحاجة.
لذا يجب الإشادة بهذه الخطوة الرائعة في سبيل تحقيق الأمن الاجتماعي في الوطن، ودخول مؤسسات حكومية كطرف سيضمن نهجها الإسلامي«النقي»، ويمنع«تجيير» أرباحها لخدمة أهداف ربحية خاصة، وسيعزز من أدوارها في المحافظة على الأمن الاجتماعي، وعلى تحديد دور الفرد في المشاركة، وضمان الخدمات التي سينالها نظيراً لمساهمته، والتأكيد على استمرار أدوارها الإنسانية الهدف، والإسلامية المقصد..، وهذه الخطوة التعاونية تصب في مصلحة المحافظة على دخل الفرد، وضبط القنوات التي تؤدي إلى هلاكه..
والإصرار على نجاح هذه الخطوة الرائدة، سيطرح هذا النهج كحل مثالي، لكثير من مشكلات الواقع، ومنها مثلا التأمين الصحي، والذي يجب أن يبتعد تماماً عن الأهداف الربحية، إلى أغراض أسمى وأقرب لتحقيق المعاني التعاونية التي تكفل توفير«العلاج الطبي» للإنسان مهما كان، و«تمنع» إجباره على بيع الغالي والثمين، وصرف ما يملك من مال من أجل توفير تكلفة عملية جراحية لأحد فلذات كبده..، أو لدفع ثمن متابعة مستمرة في عيادة طبية خاصة للعناية مثلاً بمضاعفات داء السكر المزمن..، والتجربة الأوربية في التأمين الصحي الحكومي، غير الهادف للربح المادي خير مثال على سمو تعاليم وأهداف نظرية التكافل الاجتماعي في الإسلام..، والتأمين التعاوني إذا التزم بمثالية المنهج، سيصبح خير وسيلة للحفاظ على مدخرات المواطن.
واختلال النظرية والتطبيق يظهر أيضاً في صورة واضحة في مسائل إجازة بعض المعاملات التجارية في المجتمع، وعندما نقرأ عن حجم القروض الشخصية التي قدمتها البنوك السعودية في العام الماضي، والتي بلغت نحو 40 مليار ريال للافراد بضمانات عينية، ومقابل تحويل مرتباتهم إلى البنوك المحلية، وما يمتلكونه من الاسهم والودائع والحصص الاستثمارية، نشعر بالقلق من ازدياد الديون على عاتق الأفراد، ومن تصاعد فوائدها السنوية، و يبرز السؤال الأهم عن المبررات الشرعية لإجازة مثل هذه المعاملات؟..، والتي تؤدي إلى هلاك دخل الفرد وضياعه، ولنا أن نتساءل عن الغرض من حصرها في زاوية تحويل مكاسب الأفراد إلى مادة استهلاكية؟.. ولماذا لا تنطلق الرؤى الشرعية لتحقيق المقاصد في مسار تنمية مدخرات الفرد لا استهلاكها..؟..
إن احتلال معاملات التطبيق المنهجي، وظهور تبعات سلبية نتيجة اجتهادات فردية، يتطلب تأسيس مؤسسات شرعية مؤهلة وقادرة على الاجتهاد لتفكيك اختناقات الفتاوي الفردية في المجتمع، ورصد مساوئها وتأثيراتها على مكاسب الفرد المسلم، ومنع استمرار صلاحيتها إذا ثبت ضررها على المجتمع، وتقوم أيضا بمراقبة نتائج تطبيقات المنهج في الواقع، ودراسة كيفية الوصول إلى أهداف المقاصد الشرعية السامية..

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved