لم تستطع الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ان تساند أي موقف عربي إسلامي حقيقي، عدا ربما موقفين، أحدهما التدخل ضد العدوان الثلاثي (البريطاني الفرنسي الاسرائيلي) على مصر وكانت الولايات المتحدة تريد بعد الحرب العالمية الثانية ان تثبت حضورها ووجودها على المستوى العالمي وتكشر بأنيابها لتبني علاقات جديدة في توازن القوة العالمية لصالحها.. وثاني هذه المواقف هو التدخل في حرب الخليج لتحرير الكويت، حيث كانت ترى الولايات المتحدة ان مصالحها الاستراتيجية في المنطقة وشبح التهديد لأمن اسرائيل وارد في تلك المعطيات الميدانية التي أرادت ان تقف ضدها.. ويشكل هذان الموقفان في ظاهرهما غلبة لقضية عربية ولكنهما يمثلان مصالح استراتيجية للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.. وقد يكون تلاقي المصالح بين العرب والأمريكيين هو الأساس أكثر من كونه دفاعاً من الأمريكيين عن مصالح عربية أو إسلامية.
ومن خلال التحليل الموضوعي للمواقف التي اتخذتها الولايات المتحدة مع العالم الإسلامي، نجد ان مقومات التحالف الاستراتيجي بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة لم تعد قائمة اليوم كما لم تكن في الماضي.. بل ان هذه الدولة العظمى ذهبت بعيدا في اجراءات جوهرية ورمزية لتثبت عداءها للعالم الإسلامي قاطبة، وخصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.. على الرغم من اعتبار كثير من دول العالم العربي والإسلامي للولايات المتحدة كدولة صديقة وحليف استراتيجي.
وربما كانت الأمور في الماضي يشوبها الغموض وتشوش عليها مواقف ظاهرية تختفي وراءها أهداف لم تكن تبدي الولايات المتحدة صداقة حقيقية للعالم الإسلامي في أفضل التوقعات منها، وعدائية صارخة في حقيقة تعاملاتها مع العالم الإسلامي.. أما بعد الحادي عشر من سبتمبر، فقد اتضحت مواقف الولايات المتحدة الأمريكية من العالم الإسلامي جليا، وكشرت عن انيابها لكل ماهو إسلامي، وكل ما هو عربي، وكل ماهو حقوق ومصالح عربية.. واتضحت ثلاثة أهداف جوهرية في السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي، وهي على النحو التالي:
أولا: تريد الولايات المتحدة الأمريكية - وهي الحامي لحمى المسيحية المتطرفة والحاضنة لليمين الصهيوني - من العالم الإسلامي وبكل بساطة ان يتخلى عن إسلامه.. ويدخل في وثنية السياسة الأمريكية الجديدة في العالم.. والتي ترى بأن الإسلام هو العدو الأول ليس للولايات المتحدة الأمريكية بل للغرب المسيحي عامة وللعالم كله.. ومن هنا فترى أجهزة الاستخبارات الأمريكية ومراكز القرارات السياسية ان الطريقة الوحيدة للتخلص من الارهاب هي ان يتخلى العالم الاسلامي عن اسلاميته.. وهناك دليل صارخ في هذا الخصوص.. هو هجوم الولايات المتحدة على مناهج التعليم في العالم الإسلامي والحكم عليها بانها مناهج تفرخ ارهابيين مناوئين للمصالح الأمريكية.. وهذا نعتبره في العالم الإسلامي تدخلا صارخا في الشؤون الداخلية ليس للدول فقط، ولكن للأسرة الإسلامية، والمسجد الذي يمثل مركز اشعاع حضاري وديني.
ثانياً: تريد الولايات المتحدة الأمريكية من العالم العربي والإسلامي ان يتنازل عن حقوقه ويبيع قضاياه المصيرية.. وهذا دليله واضح من خلال الضغوط التي تمارسها الحكومات الأمريكية على الحكومات العربية والإسلامية للموافقة على تنازلات كبيرة من الحقوق العربية لصالح اسرائيل وربما ان الولايات المتحدة في قرارة نفسها تتمنى ان يتنازل العالم العربي والإسلامي عن كامل حقوقه لاثبات حسن النية في إطار تعاون هذه الدول مع الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب..
ثالثاً: تريد الولايات الأمريكية من العالم العربي والإسلامي ان يحمي دولة اسرائيل ويدافع عن مصالحها، بل وينمي اقتصادها ويحقق مطامعها التوسعية في المنطقة.. والأسوأ في هذه المعادلة ان كل موقف يناقض هذه الإرادة الأمريكية يعتبر خروجا عن الطاعة ويعكس عدم تعاون هذه الدول مع الولايات المتحدة ودول العالم الحر في إقامة سلام وأمن عالمي في كل مناطق العالم.
نعم، هذه رغبات أمريكية تريد فرضها على العالم الإسلامي وتحاول من خلالها الإطاحة بالقضايا العربية والإسلامية وتعويمها وتصفيتها وتحويلها إلى لقم سائغة تبتلعها اسرائيل ضمن أهدافها التوسعية التي أشارت لها بروتوكولات حكماء صهيون (وأكدتها الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة).. وترى الولايات المتحدة ان تحقيق مطامحها ومصالحها في العالم كله تبدأ من تخلي المسلمين عن إسلامهم، الذي ترى فيه قوة تعترض الهيمنة الأمريكية والاخضاعات الاسرائيلية لقضايا ومصالح العالم الإسلامي.
الولايات المتحدة تتحرك استراتيجيا على سطح الأرض، ولكنها تخفق في قراءة العالم الإسلامي والتكهن بردة فعله على مستوى الأجيال الحالية والقادمة.. فمراكز الدراسات الاستراتيجية في الولايات المتحدة التي ترعاها وتنميها وتنشطها قوى ابتزاز ومصالح ضيقة في التركيبة السكانية الأمريكية تتوجه إلى التعامل مع العالم الإسلامي كمؤسسات ينبغي خضوعها بالضغط والتهديد والتلويحات المباشرة وغير المباشرة.. وترى ان انسياق هذه المؤسسات - رسمية أو غير رسمية - إلى مثل هذه الضغوط سيؤدي إلى تحقيق أهداف ومصالح الولايات المتحدة في العالم.. ويغيب الكثير عن هذه المراكز ومؤسسات القرار الأمريكي او يتم تغييبه عمدا حيث ان العالم الإسلامي يمثل قوة هائلة في الجسد العالمي، وان الحكم المرحلي على انتصارات واهية ونجاحات مؤقتة يعد قراءة قاصرة ومعرفة غير مكتملة في سياق التعامل مع العالم الإسلامي.. فالولايات المتحدة من حيث لاتدري قد حققت نجاحا كبيرا في أهداف المؤسسات والجماعات التي وصفتها بالإرهاب، وهنا مجموعة استدلالات على ان أهداف الحملات على الولايات المتحدة من قبل الجماعات الإسلامية قد حققت أهدافها، وزيادة.
1- أراد الإرهاب أو المؤسسات التي توصف بانها إرهابية ان تضرب التحالفات العربية الإسلامية مع الولايات المتحدة الأمريكية.. وقد نجحت فعلا في ذلك فالعلاقات الرسمية بين الولايات المتحدة وكثير من دول العالم العربي والإسلامي متوترة إلى مقبلة على تصعيد غير مسبوق.. وهذا في نظر كثير من المحللين القريبين من تلك الجماعات هو أحد الأهداف الاستراتيجية التي كانوا يسعون إليها.. ناهيك عن علاقة سيئة مع شعوب العالم الإسلامي..
2- أراد الإرهاب أو المؤسسات التي توصف بأنها إرهابية ان تكشف عن حقيقة الولاء الأمريكي للمصالح الاسرائيلية.. وهذا اتضح بشكل جلي جدا من خلال وقفة الرئيس الأمريكي جورج بوش وقفة مستأسدة ضد كل ماهو فلسطيني ومع قوى التطرف الاسرائيلي.. وهذا الموقف لن ينساه العرب والمسلمون فالرئيس جورج بوش يقف على يمين التطرف الاسرائيلي ولم يكن في يوم من أيام رئاسته في موقف يتوسط الطيف السياسي الاسرائيلي.. وأصبحت هذه الإدارة الأمريكية هي العدو الأول لتحقيق القضايا والمصالح والحقوق العربية في فلسطين.. وحاولت الإدارة الأمريكية ان تضرب قوى السلام داخل المجتمع الاسرائيلي وتهمشه وتعرقل مسيرته في الوصول إلى سدة القرار الاسرائيلي بهدف رغبتها الصارخة في التنكيل بالفلسطينيين والعرب وبقضايا الإسلام المصيرية.. ولم يعقل في التاريخ العالمي ان تقف دولة وسيطة بين متنازعين في موقف متطرف متشدد على يمين أحد المتنازعين.. وقد نجح الإرهاب في كشف هذه العلاقة الحميمة بين الكيان الاحتلالي الاسرائيلي وبين زمرة التشرذم الصهيوني المسيحي داخل أروقة البيت الأبيض.. وأصبحت الولايات المتحدة - كما كشفتها هذه الأحداث - تزايد على التشدد والغلو وابقاء الأوضاع كما هي عليها ومحاولة اخضاع الشعب الفلسطيني كله لاملاءات اسرائيلية متطرفة وعدوان غاشم مستمر.
وقديما قيل ان العرب شعب لا يقرأ لأنه لم يفطن لكثير من الأمور التي كانت تنشر من قبل الشخصيات والمؤسسات الاسرائيلية كسيناريوهات حرب واحتلال ضد الأمة العربية، ولكنني أرى في القرن الحادي والعشرين ان هناك شعبا آخر هو شعب الولايات المتحدة الأمريكية لايقرأ وإذا اجتهد في القراءة فهو لايفهم، وإذا نجح في الفهم فلايريد ان يفهم كل الذي تمت قراءته.. وعلى الرغم من التقدم الهائل في الفكر والتطبيق ومدركات النفس والسلوكيات الشعوبية التي تذخر بها مؤسسات التعليم والفكر والاستراتيجية في الولايات المتحدة إلا انها تحرص كل الحرص على ان تقف موقف مؤسسة تفكر بمستوى ضيق وعبر مصالح مرحلية وبآفاق محدودة.. وتحاول بكل ما أوتيت من قوة وجبروت ان تعمق في نفوس العرب والمسلمين ثلاث خصال بهدف التنكيل ليس إلا:
* تعمق السياسة الأمريكية لدى جماهير المسلمين الشعور بالظلم الذي يعاني منه المسلمون نتيجة الاجراءات والسياسات الأمريكية التي اتخذتها تحديدا من تاريخ 11 سبتمبر وإلى اليوم داخل الولايات المتحدة وخارجها.
* تعمق السياسة الأمريكية لدى المسلمين الشعور بالإهانة التي يعاني منها العرب والفلسطينيون من جراء استمرار الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية والمقدسات الإسلامية في أرض فلسطين.
* تعمق السياسة الأمريكية لدى كثير من شعوب العالم الإسلامي ان هذا الظلم والاحتلال والشعور بالإهانة والتنكيل ينبغي ان تقاوم بكل الطرق الممكنة.. من خلال أفراد أو جماعات أو مؤسسات أو دول أو مجموعة دول العالم الإسلامي.
ومن هنا فإننا في العالم الإسلامي نرى ضرورة ان ينهض العالم الإسلامي من كبوته ويسعى إلى الوقفة أمام العدوانية الأمريكية على الدين الإسلامي والمسلمين ومقدساتهم وأراضيهم.. فما تسعى إليه الولايات المتحدة عبر الولايات المتحدة ذاتها أو عبر بوابات اسرائيل هو استلاب للحقوق العربية وانتهاك المقدسات الإسلامية والتنكيل بالشعوب الإسلامية.. ولهذا فمؤتمر قمة إسلامي بأجندة واحدة (وقف الطغيان الأمريكي على الحقوق العربية والإسلامية وقراءة واعية للمصالح الإسلامية الاستراتيجية، وإعادة النظر في التحالفات الاستراتيجية للعالم الإسلامي) هو المطلوب في المرحلة الحالية.. ولاينبغي التسويف في ذلك.. لأن أبواق الدعاية والتنكيل الأمريكية والضغوط السياسية تزداد يوما بعد يوم، ويتم التمادي فيها إلى ان نصل ربما إلى نظام وصاية أمريكية على شعوب العالم الإسلامي ومؤسساته الاقتصادية ومقدراته الطبيعية ووسائل إعلامه ومناهجه التعليمية وكتبه ومقرراته الدراسية.
إذا لم يقف العالم الإسلامي وقفة واحدة أمام هذا التمادي الأمريكي فلن يكون أمامنا إلا الخضوع لكل الإملاءات الصهيونية التي يتفوه بها رؤساء أركان السياسات الأمريكية من تل أبيب.. أو رؤوس الكيان الاسرائيلي من أروقة البيت الأبيض الاسرائيلي.
* رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لعلوم الاتصال- أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود |