* طريف - محمد بن راكد العنزي :
تستغل العطلة الصيفية في كل عام بإقامة المناسبات السعيدة كحفلات التخرج والخطوبة والزواج ولعل الأخيرة هي الأكثر نصيباً فيها حيث تتزين الساحات والميادين العامة والمنازل في المحافظات بالأضواء الملونة الجميلة كدليل على حفلات الأفراح التي تكثر هذه الأيام، والشمال إحدى هذه المناطق التي تشهد حالياً مئات حفلات الأفراح وفي الشمال ترتبط مثل هذه الحفلات والاعراس خاصة بعادة قديمة لا يزال غالبية أهل المنطقة يتمسكون بها عبر السنين وهي تعرف لدى العامة باسم (العنية).
ويؤكد فرحان هايل الرويلي من الجوف بأن العنية عادة جميلة توارثناها عن الأجداد منذ القدم حينما كان الناس يعيشون في حياة بادية وما فيها من تنقل وترحال، وعلى الرغم من الظروف القاسية التي كانوا يعيشونها آنذاك إلا انهم كانوا يحرصون كثيراً على التعاون فيما بينهم وتقديم يد الدعم والعون لكل من يحتاج إليها، حيث كان الكرم والسخاء ومساعدة الملهوف من سمات رجل البادية القديم والتي أورثها لأبنائه وأحفاده من بعده وأصبحت عادة حسنة لم يتناسها الناس وظلوا متمسكين بها حتى وقتنا الحاضر والتي تتمثل في تقديم هدية عينية أو مادية للعريس في نفس اليوم الذي يقيم فيه بيت الشعر أو الصوان الذي يستقبل فيه المدعوين والمهنئين من الأقارب والأصدقاء والجيران حيث يقدم له كل قادر منهم عنية عبارة عن خروف يضعه في الشبك الحديدي الذي يقام لهذا الغرض وبعد ذلك يأتي إلى بيت الشعر حيث يقدم التهاني والتبريكات للعريس ووالده وأشقائه.
ويشير سالم عبدالله من القريات إلى أن العنية دليل على التكاتف والتعاون الذي يتميز به أبناء هذا البلد الطاهر امتثالاً لقوله تعالى : {وّتّعّاوّنٍوا عّلّى پًبٌرٌَ وّالتَّقًوّى" وّلا تّعّاوّنٍوا عّلّى الإثًمٌ والًعٍدًوّانٌ } وهي عادة حميدة يقدم فيها جميع القادرين مساعدة كبيرة للعريس خاصة وأن الزواج في عصرنا الحاضر أصبح له تكاليف كبيرة قد تجبر الكثيرين من الشباب على الاستدانة والاقتراض، والعنية سواء كانت شيئا عينياً أو مادياً فإنها تمثل دعماً كبيراً له وقد تسدد عنه جزءاً ولو يسيراً من هذه التكاليف.
مازالت على طبيعتها
ويقول زيد مفرح من طريف ان العنية ظلت متمسكة بطبيعتها وشكلها المعروف وإن دخلت عليها بعض التغيرات حسب العصر الذي نعيش فيه حيث انها لم تبق على كامل حالها الذي يعرفه أهل الشمال عندما كانت محصورة فقط في تقديم «الأغنام» على سبيل العنية وإنما أخذت الآن شكلاً آخر وذلك بتقديم البعض من الناس للعريس مبلغاً من المال يضعه المدعوون في يده بعد التسليم عليه أو في جيبه بعد تهنئته بالزواج، وكذلك هناك من يقدم له قطعة أثاث أو بعض الأجهزة المنزلية أو هدايا عينية كطقم ساعات ثمينة للعريس وزوجته، كما تختلف قيمة الهدية أو العنية ومبلغها حسب قرابة المدعو من العريس وحالته المادية.
ويلاحظ حمود الأشجعي من طريف أن البعض في مناطق الشمال قد تركوا ظاهرة الاتفاق مع مكاتب الأفراح المنتشرة في المحافظات لغرض إقامة بيوت شعر أو صوان للرجال بالقرب من منزل العريس واتجه غالبيتهم إلى حجز ليلة في صالات وقصور الأفراح ورغم ذلك فقد ظلوا يحرصون على إقامة حوش صغير بجانبها في الخارج لاستقبال الهدايا التي تعرف عندهم تحت مسمى «العنية» وذلك من الأغنام أو غيرها حيث ان البعض يقوم بإهداء العريس حاشي وهو «الجمل الصغير» وهذه جميعها تجمع بعد الانتهاء من مراسم حفل الزواج ويتم بيعها في أسواق الأغنام حيث يستفيد العريس من مبلغها بالإضافة إلى ما يستلمه نقداً بيده من المهنئين في تسديد ما عليه من تكاليف الزواج والمتمثلة في ايجار الصالة أو بيت الشعر وقيمة المطبخ الذي يعد الولائم وغير ذلك من المصاريف التي قد يكون استلفها من هنا وهناك.
|