Friday 26th July,200210893العددالجمعة 16 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

إنما يوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب إنما يوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب
سعد بن محمد الموينع*

الحياة تجمع الأفراح والأتراح، فلا فرح دائم ولا حزن باقٍ، والدهر يومان يوم لك ويوم عليك، كما قال أبو الفتح البستي في قصيدته المشهورة:


هي الأمورُ كما شاهدتها دولُ
من سَرهُ زَمن ساءتهُ أزمانُ

وبالرغم من ان بعض المصائب خطبُها جلل إلا انها في نفس الوقت تعتبر رحمة بالمسلم الصابر المحتسب الذي يعلمُ ان ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وأفراح المرء وأحزانه مكتوبة ومقدرة عليه تقديراً، ولله حكمة بالغة في ذلك.
في ذات يوم من أيام الله انشق الفجر ودوى الأذان وارتفع صوت الحق مجلجلا الله أكبر.
استيقظ الوالد على صوت المؤذن الندي وذكر الله وتوضأ فانحلت عُقَدُ الشيطان التي كانت على قافيته، ثم بادر يإيقاظ زوجته وأبنائه الثلاثة للصلاة فاستجاب الجميع واستعدوا للصلاة وبدأوا يومهم بطاعة الله، بدأت هذه الأسرة يومها بنشاط منقطع النظير لأن من صلى الفجر في جماعة كان في ذمة الله. إن ربَّ هذه الأسرة يرى أبناؤه الرحمة في عينيه والعطف والحنان في تصرفاته معهم، لم ترتفع يده يوما من الأيام ليضرب أحدهم ولم تتحرك شفتاه ليتلفظ بسبٍ أو شتم لأحد متهم، وإنما تتحرك يده المباركة ليمسح على رأس أحدهم مسحة حنان وعطف، وربما تتحرك شفتاه لتخرج منها دعوة بالخير لهم أو كلمة فيها توجيه ونصح. إن ذلك الوالد يتعب ليرتاح أبناؤه ويشقى ليسعد أحبابه الصغار، ويسهر الليل كله إذا مرض أحد أبنائه ويتمنى ان يكون هو المريضُ ويسلمُ ابنه. وكعادة ذلك الوالد الحنون أيقظ أبناءه لصلاة الفجر وتناول معهم طعام الافطار ثم قام بتوديع شريكة حياته وقبل ابنته الصغيرة ذات الثلاث السنوات، ثم أوصل الطلاب منهم إلى المدارس وانطلق بحيوية ونشاط إلى مقر عمله. وبينما هو مستغرق في أداء مهامه الوظيفية إذ به يسقط على الأرض مغشيا عليه، فهب من كان معه ليسعفه وأقعده وجعل فخذه وسادة له وطلب الإسعاف له، وقبل حضور الإسعاف بدأ في الاحتضار وبدأ يذكر الله وتشهدَ وتفوه بكلمة التوحيد وفاضت روحه وأسلم نفسه إلى بارئها. تأثر أقرانه في العمل والتزموا الصمت وكأنما على رؤوسهم الطيرُ، وحمله بعض أصحابه إلى داره. وبعد وصولهم إلى منزله طرقوا الباب فقالت زوجته لأحد أبنائها افتح الباب لأبيك. ولما فتح الباب لم ير أباه وإنما رأى مجموعة من الرجال فسلم عليهم ذلك الطفل وفتح المجلس لهم ودعاهم للدخول ظناً منه أنهم ضيوف. دخلوا المجلس ومعهم جثمان أبيه ولما وضعوا الجثمان على الأرض في المجلس ورأى ذلك الطفل منظر والده وهو مُسجى على الأرض، سألهم: ماذا أصاب والدي؟ فتوقفت الكلمات في حناجرهم جميعاً وأصابتهم الحيرة، ماذا يقولون لذلك الابن واخوانه أم ماذا يقولون لزوجته؟ تكلم أحدهم وقال لذلك الطفل: قد كتب الله على والدكم الموت وهو حق ولابد لكل إنسان ان يموت. فبكى ذلك الطفل بكاء شديدا فاستمعت والدته بكاءه وصوته الصارخ بالبكاء فخرجت على اثر ذلك الصوت والنحيب وعلمت الخبر إلا ان الله ربط على قلبها لتكون من المؤمنين واسترجعت وقالت «إن لله ما أعطى وله ما أخذ اللهم اغفر له وارحمه واجمعنا به في دار كرامتك كما جمعتنا به في الدنيا على طاعتك». وكلما جاء الفجر ازداد حزن أبناء ذلك الرجل الصالح حيث يتذكرونه ويتذكرون عطفه وحنانه وشفقته وتزداد حسرة زوجته ولوعتها عندما تسأل بنتها ذات الثلاث سنوات عن والدها الذي عودها ان يطبع على خدها قبلات الحب والحنان. {الذٌينّ إذّا أّّصّابّتًهٍم مٍَصٌيبّةِ قّالٍوا إنَّا لٌلَّهٌ وّإنَّا إلّيًهٌ رّاجٌعٍونّ }.
إن مما يخفف مصيبة ذوي ذلك الرجل المبارك ثناء الناس عليه، وذكرهم له بالخير، والناس شهداء الله في أرضه {إنَّكّ مّيٌَتِ وّإنَّهٍم مَّيٌَتٍونّ }.
* مدرسة حي السفارات - الرياض

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved