انطلق بعربته الفارهة يسابق الريح، حتى استقرت به أمام سور قديم من الطين، قد سقطت بعض أجزائه. ترجل من السيارة، وأدار مفتاحا في الباب المتصدي ليكشف عن فناء كبير في طرفه المقابل بعض الغرف المتجاورة. تقدم حتى توسط الفناء فالتف حوله مجموعة من الأفراد ذوي العاهات المختلفة مرددين بنبرة كئيبة: أهلا.. أهلا بالزعيم. لاحظ الحزن المختلط في أعينهم، فأراد ان يزيله بقوله: لا تقلقوا يا أصدقاء سوف يعودون، أعدكم بذلك ولسوف نحتفل بعودتهم قريبا. ردد الجميع: سوف يعودون.. يعيش الزعيم. التفت الزعيم لمعاونه ورمقه بنظرة ذات دلالة ثم ترك الأعضاء متوجها لإحدى الغرف يتبعه معاونه الذي اقفل الباب خلفه مصدرا أنينا يدل على قدمه. استدار اليه الزعيم قائلا: كيف حصل ذلك؟
- لقد داهمهما رجال المكافحة عندما كانا يقومان بعملهما، واستاقوهما للمركز ومن هناك أشك في انه تم ترحيلهم!.
- هل تعتقد انهما اعترفا بشيء؟
- اطمئن انهم رجالك المخلصون يا زعيم.
أصدر الزعيم حركة عصبية وأردفها بقوله: يا لها من مصيبة.. رجالنا بدءوا يتناقصون وان لم نقدم الحيطة والحذر في عملنا فإن مصيرنا سيؤول للضياع، هاهما أفضل رجالنا قد رحلا مما أثر على معنويات البقية.
- رجال المكافحة مشددون هذه الأيام، لابد ان نخفف من نشاطنا حتى تهدأ الأمور.
- أوه يا عزيزي الأشرم. لن تهدأ، لا يجب أن يكونوا أذكى منك. اخرج الآن وأخبرهم بأني أريد أن اجتمع بهم.
استجاب الأشرم، وعاد بعد دقائق يخبره ان الجميع جاهز. توجه للخارج فوجد الكل متأهب. أخذ مكانه وراح يخطب فيهم قائلا: أيها الأصدقاء سنين قضيناها بحلوها ومرها معا، أثبتم خلالها أنكم أبطال، أنا فخور بكم، حتى رجالنا الذين تم القبض عليهم أثبتوا لنا بأنهم ليسوا أقل منكم، وكانوا نبراساً للوفاء. أصدقائي الأعزاء، المنظمة باقية في نشاطها ولا يجب ان يكون رحيل أحد مؤثرا على الباقين، بل يجب ان نضع الهدف الذي جئنا من أجله نصب أعيننا، ولابد ان نسعى في تحقيقه هل تسمعون؟!! الجميع:
- نعم.. نعم.. يعيش الزعيم.. يعيش الزعيم.
بدا على محيا الزعيم الارتياح التام، وأردف قائلا:
أشكركم يا أصدقاء. سوف نقوم بتعديل الخطة المتبعة مع الأخد فيها بجانب الدقة والحذر أنتم تعلمون.. ان خطر المكافحة ازداد ولا نريد ان نخسر المزيد وبينما هم على حالهم إذا بهم يسمعون طرقات خفيفة على الباب، عم المكان سكون رهيب انتهى باشارة من الزعيم باحدى عينيه لأحد الأعضاء. فقام مستندا على عكازه وارتقى برج المراقبة ببراعة تدل على انه متمرس ولما استقر على سطحه نظر تجاه الباب وعلت وجهه ابتسامة. صاح من خلالها: مرحى.. مرحى.. يا رجال بعدها التفت للزعيم مخاطبا: لقد عادا أيها الزعيم عادا. قال كلمته هذه بنبرة متقطعة إثر دموع سقطت من عينه متأثراً برؤيتهما.
استشرقت طلائع المنظمة أسرع عضو آخر على دراجته التي صنعت خصيصا لإعاقته حتى تسهل حركته وحينما فتح لها الباب ارتمى عليه القادمان وأخذاه بالأحضان فرحين وتسارع الكل منهم يقفز ومنهم من يحبو ومنهم من يسير ببطء يريدون ان يهنئوه بالسلامة ولما انتهوا جاء دور الزعيم ومعاونه اللذين تقدما اليهما لضمهما بحرارة. اغرورقت عينا الأعمى والأعرج بالدموع لهذا الاستقبال الحافل الذي ينبع من محبة عارمة يكنها لهم أصدقاؤهم في المنظمة.
أمسك الزعيم كلا منهما بيده متوجها بهما للمكان المعد للاجتماع قائلا لها: لا تعلمان مدى سعادتي بوجودكما.. أرجوكما تفضلا بالجلوس.. أخذا مكانهما في مقدمة المجلس والبقية يحيون: مرحى.. مرحى بالأبطال. ثم أكمل الزعيم حديثه بعد ان صمت الجميع كنا نعتقد بأنكم قد رحلتم. كيف استطعتم العودة؟!.. رد الأعرج بصوت النشوة: لا ياسيدي لقد استطعنا التخلص وسط غفلة منهم. وها نحن بينكم كما ترى.
كنت متأكد من عودتكما.. أهلا وسهلا بكما.
ثم التفت للجميع مخاطبا: والآن أيها الأصدقاء قد اكتملت سعادتنا، وبهذه المناسبة السعيدة سأدعوكم لحفل عشاء فاخر.. اذهب أيها المعاون ولتجلب لنا ما لذا وطاب من أصناف المأكولات والمشروبات احتفالا بسلامة أصدقائنا الطيبين. ثم هتف الكل بصوت منتصر: يعيش الزعيم.. يعيش الزعيم.
خرج المعاون ليغيب فترة من الزمن ليعود محملا بأصناف شتى من الأطعمة والأشربة عاش الجميع لحظات فرح وسرور محتفلين. وبينما هم في لغطهم هذا، إذا بجموع من رجال مكافحة التسول تتدفق باتجاههم من على السور القديم. فساد في صفرف المحتفلين الفزع والهلع من هول المفاجأة. حاول الجميع الفرار كل على وجهته لكن محاولتهم باءت بفشل ذريع حيث ان رجال المكافحة قد أحاطوا المكان كما يحاط العنق بالقلادة وعندما لم تتسن للمندحرين ثغرة تطل بهم الى الخارج استسلموا لرجال المكافحة وجال القائد ببصره بين الوجوه المرتمية أمامه واستقر على وجه الزعيم قائلا: انتهى يا زعيم سأريح البلد منكم ومن حيلكم التي تعتمد على استغلال عواطف شعبه. ثم التفت للأعرج مخاطبا وفي عينيه سخرية واضحة: هل غرك ذكاؤك عندما استطعت الهرب ولم تكن تعلم أيها المسكين ان هروبك وصاحبك ليس سوى خطة ملعوبة من قبلنا لكي تدلنا على باقي العصابة. عاد يتفحص تلك الوجوه قبل ان يخاطب رجاله آمراً: هيا خذوهم يا رجال. اعتلت ضحكات صاخبة من أفراد المنظمة. نظر الزعيم لمعاونه وابتسم ابتسامة خفيفة. رد عليه المعاون بمثلها مما آثار حنق القائد ورجاله الذين استاقوهم للحافلة بعنف. وفي الحافلة ردد الأعضاء نشيداً حماسياً متراقصين بأجسادهم. أما الزعيم فقد مال على معاونه الذي كان بجانبه مخاطبا إياه: ما بالك يا أشرم أراك سارحا بفكرك؟
- لا شيء أيها الزعيم.. لا شيء سوى الفراق.
- وهذا ما يحز في نفسي أنا أيضا. غير أننا استطعنا ان نحقق هدفنا الذي جئنا من أجله. فلدي من المشاريع في عدد من الدول ما يضمن لي حياة كريمة. باقي العمر، وأردف ضاحكا: وأنت؟
- أنا؟.. نفس الشيء غير ان جميعها في بلدي.. ثم أردف متنهداً: لا أريد الرحيل منها بعد الآن.
- انظر خلفك الكل مسرور، يبدو أنهم جميعا حققوا نفس الغرض.
- استجاب له المعاون بابتسامة معززاً اجابته. وضغط على يد الزعيم برفق، وراحا يرددان النشيد مع باقي المجموعة.
|