Wednesday 3rd July,200210870العددالاربعاء 22 ,ربيع الثاني 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

بعد أن كانت مظهراً من مظاهر الفرح في حفلات الزواج بعد أن كانت مظهراً من مظاهر الفرح في حفلات الزواج
فنون شعبية مهددة بالنسيان
شعبية العرضة والسامري ضمنت لهما البقاء مؤقتاً
الدَّحة تلحق بالربابة والمزمار إلى زوايا النسيان

* تحقيق : منيف خضير الضوي
الفنون الشعبية مظهر تراثي من مظاهر الفرح والأعراس في الحدود الشمالية، وفي محافظة رفحاء إلى وقت قريب كانت حفلات الزواج تقام في الساحات الخالية عبر بيوت الشعر تزينها الإنارات الملونة، وترتفع ألسنة اللهب من حطب الأرطي والذي يغازل بحمرة جمره المتوقد ظلمة الليل الأسود، والدلال العربية تصطف حول الموقد وكذلك أباريق الشاي، والكل في حركة دائية لخدمة العريس ولإنجاح الحفل، وبعد تناول طعام العشاء يصطف الحاضرون إلى صفين ليؤدوا الأهازيج الشعبية والتي تعبر عن سعادتهم ومشاركتهم لأهل العروسين فرحتهم، وتستمر هذه الأهازيج حتى وقت متأخر من الليل، بل إن بعض المحتفلين يرافق العريس بأهازيج العرضة النجدية إلى منزله وسط ارتفاع أصوات الطلقات النارية والتي تمتزج مع أصوات زغاريد النساء.. هذه الفنون والألوان الشعبية بدأت تتلاشى مؤخراً بعد ظهور قصور الأفراح والصالات والفنادق. (الجزيرة) لاحظت انحسار هذه الفنون التراثية التي تعبر عن ثقافة المنطقة فبحثت عن الأسباب.. فكانت البداية عن أبرز فنون المنطقة:
العرضة والسامري
العم/ نايف بن دهام التمياط (من كبار السن) يقول عن هذا الموضوع: لا شك أن العرضة النجدية (أو الشمالية) والسامري هما الأبرز وذلك لكثرة القبائل النجدية في المنطقة وحبهم للشعر، والعرضة من الفنون الشعبية التي تمارس في ساحة كبيرة حيث يصطف المشاركون في صفين جنباً إلى جنب وهم وقوف متقابلون، وبينهما مساحة تتسع لحاملي الدفوف والطيران، وهذه المساحة أيضاً تتسع لمن يلعب بالسيوف من الرجال ومن أطفالهم أيضاً الذين يدربونهم عليها، والعرضة من أحب الفنون الشعبية عند كبار السن عكس الشباب الذين يفضلون السامري، وهو فن مشهور ومتداول بكثرة في رفحاء ولا يقتصر على حفلات الزواج بل يتعداها إلى حفلات التخرج مثلاً وطلعات البر وجلسات السمر، ويختلف عن العرضة في أغانيه وأشعاره وفي جلوس الصفين بدلاً من الوقوف، وتستخدم فيه الطيران وتزداد نشوة المشاركين مع تنوع ضرب الدفوف.
وعن أغاني العرضة والسامري يقول التمياط:
هناك نماذج شعرية كثيرة للعرضة والسامري والمسحوب، ومن أشهر النماذج المتداولة في العرضة:
يا لله يالمعبود يالرب الكريم
يا منزل الماء من صدوق خيالها
إنك تعين اللابة اللي تستقيم
عند اللقى ومصادمة عيالها
أما السامري فله ألوانه المختلفة عن العرضة ومن نماذجه:
نطيت أنا المستزلي
من نايفات العداما
يا نجمة الصبح ياللي
سروا عليك النشاما
الدحة والربابة
* الشاب عارف السبت يقول: معظم الفنون الشعبية في الغالب ترتبط بقبائل معينة، فالدحة مثلاً ترتبط بقبائل الشمال دون غيرهم مؤكداً أنه ليس كل قبائل الشمال تمارسها بل تشتهر عند قبائل الرولة وعنزه مثلاً . وهذه القبائل تمارس الدحة إلا أن هناك اختلافا بسيطاً في بعض الكلمات وطريقة الأداء للدحة بين تلك القبائل، غير أن المضمون والفكرة واحدة تقريباً، وتمارس الدحة ليلاً في الغالب ، والدحة من فنون الحرب وهي مرتبطة بالغزوات البدوية قديماً لاستثارتها الحماس والإقدام في نفوس المحاربين نظراً لما تنظوي عليه من معاني الفخر والشجاعة، أما الآن فهي من مظاهر الفرح والسلم بعد استتباب الأمن بعد توحيد المملكة على يد المغفور له - بإذن الله الملك عبدالعزيز آل سعود.
وعن طريقة الدحة قال: يصطف الرجال متجاورين على شكل صفين متقابلين، وتبدأ بقصيدة شعرية خاصة بالدحة، وأحيانا محاورة شعرية يفصل بين ترديدهم للشعر قول المجموعة (هلا هلا به يا هلا ألا يا حليفي ياولد).. وهي من فنون البادية في الماضي، الآن تكاد تختفي بعد غياب، ورحيل كبار السن الذين عشقوها، وكذلك بعد انصهار المجتمعات ببعضها وتلاشي هذه الفنون الخاصة بقبائل معنية.. ولهذا الفن شعراء متميزون ومشهورون يتوافدون على حفلات الزواج من كل مكان بدعوة من أصحاب الحفل، وبعضهم لا يتم الحصول على موافقته إلاَّ بعد تنسيق وحجز مسبقين!!
ويؤكد السبت: أن الربابة تكاد تختفي فعلاً في حفلات الزواج تماماً، بعد ارتفاع الوعي الديني، وعدم رغبة غالبية الناس بالاستماع إليها، والربابة كانت وسيلة ترفيه لطيفة تطرب أهالي البادية. وهي عبارة عن آلة منفردة لها هيكل خشبي مُفَرَّغ يغطيه جلد مشدود بعناية، ثم يثبت عليه بإحكام وتر واحد مصنوع من شعر ذيل الفرس مرفوع بواسطة قطعتين من الخشب متقاطعتين بالإضافة للعمود الرئيسي والذي يُشَد الوتر عليه، وهناك القوس وهو جزء خارجي مكمل للربابة مصنوع من خشب الخيزران وهو مقوس عن طريق الشعر المربوط بأطرافه.
قصور الأفراح هي السبب
* عند سؤالنا عن سبب تلاشي أو اختفاء مثل هذه الفنون من حفلات الزواج بمنطقة الحدود الشمالية جاءت الإجابات متنوعة حيث قال رشيد بن مشعل الثويني (مدير مدرسة) سابقا: كانت حفلات الزواج تقام في الساحة العامة الفارغة بين الأحياء، والآن وبعد أن داهمت المباني العمرانية الأحياء السكنية لم يعد هذا الحل ممكناً ، فلجأ الناس إلى قصور الأفراح والفنادق والصالات. والتي غالباً لا تسمح بإقامة مثل هذه الفنون والأهازيج.
وقصور الأفراح تفرض رقابة معينة مثل عدد ساعات الحفل (بحيث لا يتجاوز ساعات معينة من منتصف الليل) وكذلك تمنع بعض الآلات مثل العود والمزمار والربابة.
* أحمد الخالد صاحب فندق يقول:
نعم في الفنادق لايمكن إقامة العرضة أو السامري. فالمكان غير مناسب رغم وجود قاعات احتفالات في الفنادق، ولكن لا أظن أن لقصور الأفراح أو الصالات دخلا في تلاشي هذه الفنون، فقصور الأفراح فسيحة. وبها أماكن مخصصة لذلك، أيضاً قصور الأفراح لا تمانع من إقامة الفنون (التي يبيحها الشرع).
* الأستاذ/ علي بن إبراهيم التويجري صاحب قصر أفراح يؤكد أن القصور لا دخل لها في انحسار ظاهرة الأهازيج والفنون الشعبية والدليل أننا خصصنا في القصر ساحات واسعة ومناسبة لممارسة هذه الفنون (والتي لا يرى الشرع بأساً في اقامتها) مثل العرضة والسامري والدحة.
ويؤكد أن قبيلة عنزه على سبيل المثال، أقامت الدحة في أحد زواجاتها قبل سنوات، ولايزال أهالي رفحاء إلى الآن يقيمون العرضة والسامري والأمسيات الشعرية دون أن نمانع.
أما الأشياء المحرمة شرعاً من الآت العزف والشعر الفاحش فهي ممنوعة ونحن لا نستجيب لمن يطلبها البتة، وعن أوقات السهر المحدودة فيقول:
هذه محدودة من قبل المسؤولين والهيئات ولا دخل لنا فيها، والأوقات المخصصة للسهر (12 ليلاً) أظنها مناسبة، وتمتد أحياناً في بعض الأعراس بحسب الحاجة.. وعموماً نرى أن تغير الحياة الاجتماعية عن السابق، وكذلك تحول اهتمامات الناس سبب رئيسي في انحسار ظاهرة الأهازيج الشعبية في الأعراس.
كبار السن تركوها..
والشباب لايجيدونها
* أحد كبار السن ممن يجيدون هذه الفنون عبدالرحمن الشمري يقول: سابقاً كنا نمارس هذه الفنون مع كبار السن حتى اتقنّاها، ثم أصبحنا كباراً ومازلنا نمارس هذه الفنون ونعلم أبناءنا هذه الموروثات الشعبية على سبيل الفرح والاحتفاء والمحافظة على التراث، والآن بعد توقفنا لكبر سننا أو لمرض الغالبية أو برحيل الأسماء المشهورة قديماً ممن يحييون العرضات في رفحاء من أهالي حائل والقصيم والرياض وطبعاً وأهالي الشمال. وأتذكر سابقاً أن مجموعة من أهالي حائل ممن
يسكنون رفحاء بعد خروجهم من صلاة العيد أقاموا العرضة ومشوا جماعة يغنون مارين بالشارع الرئيسي ومعهم الدفوف حتى قطعوا مايقارب (3 كيلومترات) بغناء متواصل جميل والناس تتجمهر عليهم مستمتعين ، أما الشباب الآن فغير قادرين على إقامة هذه العرضات النجدية والأهازيج الرائعة والتي تتميز بوجود شعراء يحفظون وقائدي فرق مهرة، وضابطي ايقاع متميزين ومعروفين أيضاً.
ورغم ذلك والحديث لايزال لعبدالرحمن الشمري نشاهد بين الحين والآخر مثل هذه الفنون ولكن لا نجد في نفوسنا نفس الحماس لها كما كنا في السابق بسبب رداءة تنفيذها أو لنقل عدم اتقانها.
* ويتفق معه الشيخ نايف بن دهام التمياط قائلا: الشباب لايجيدون هذه الفنون الموروثة بسبب انصرافهم إلى (الكورة) وأمور أخرى - لا نعرفها وسابقاً كنا نمارس هذه الفنون في الأعياد والمناسبات السارة والزواجات، وكنا نتبارى على التميز، الآن حينما يدعونا أحد للمشاركة في العرضة لا نجد إلاَّ القليل ممن يتقنها، ويجد الشباب اليوم صعوبة في اقامتها بسبب عدم حفظهم للشعر!!.
قلة الشعراء!!
* الاستاذ/ سلطان السلطان (باحث اجتماعي) يرى أن الحياة الاجتماعية السعودية تطورت وتغيرت كثيراً عن السابق، ولكن بكل تأكيد فالتطور لا يعني أن تتأثر هذه الفنون الشعبية وتتلاشى، فهي على كل حال جزء من تطورنا، وتمسكنا بها دليل أصالتنا، والدليل تقديمنا لهذه الفنون التي تعبر عن مناطق المملكة كل على حده في مهرجانات الدولة الرسمية (الجنادرية وافتتاح دورات الخليج).. وغيرها، والسبب في رأي بتدهور هذه الفنون وانحسارها يعود لقلة الشعراء الذين يحفظون هذه النماذج الشعرية المتوارثة، وسابقاً تجد لكل قبيلة شاعرا أو شاعرين يحفظان هذه النصوص كاملة، ويكونان مرجعاً لكل أفراد القبيلة، أما الآن فلا توجد مثل هذه العيّنات، كذلك عدم تدريب الأبناء على هذه الفنون فالعرضة والسامري ليست حركات راقصة عشوائية، بل هي فن منظم يؤدى بطريقة راقصة ومنظمة.
* العم/ راجح مشفي الرويلي (من كبار السن) يقول: الشباب اليوم ربما يخجلون من ممارسة هذه الفنون، وهي لا تستهويهم، لذلك لايحفظونها ولايميلون إليها، بل إن بعضهم يعتبرها ضرباً من الماضي الذي يجب ان يُنسى!!.
وعدم حفظهم لها أوجد لديهم الرغبة في الوسائل الأخرى كالعود والموسيقار وتقليد الآخرين مثل (الدبكة السورية، والشبوية العراقية).. وغيرها من فنون البلاد المجاورة.
وثمة أمر أفرحهم وهو أن حفلات الزواج لدينا تحولت الحياة الاجتماعية إلى مراسم اجتماعية رسمية تؤدى خلالها التحيات والتهاني، وكل ينصرف إلى حال سبيله لكثرة المشاغل والارتباطات، باختصار لم يُعدْ حفل الزواج يستهوي الناس كما في السابق!!.
الدحة مهددة بالانقراض!!
سألنا ضيوف التحقيق عن أيهما سينقرض أولاً من هذه الفنون؟
* رشيد بن مشعل الثويني (مدير مدرسة) قال: الربابة والمزمار والعود أنقرضت فعلاً من حفلات الزواج بسبب ارتفاع الوعي الديني، أولاً ، وكذلك مراقبة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحفلات الزواج، ومنعها لهذه الفنون، ولا تنسى أن المجتمع المحلي عموماً مجتمع منتقد يكثر بين أفراده رفض الخطأ، ويرون إلى وقت قريب ان العود والربابة لا يمارسها إلا اللاهون وغير الجادين في المجتمع!!.
* يرى الأستاذ/ محمد بن عبدالله الشيحي.. أن مظاهر الزواج عموماً لم تعد كالسابق، والوعي الديني والاجتماعي والاقتصادي له دور في ذلك، فالزواجات سابقاً كانت تستمر ثلاثة أيام بلياليها، أما الآن فيوم وليلة، والتكاليف قليلة، وربما حلت (الطقاقات) كبدائل للأهازيج الرجالية، وسابقاِ كانت الأهازيج تستمر حتى قبيل صلاة الفجر، الآن هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تمنع ذلك. أما الفن المرشح للانقراض فهو الدحة.
* الدحة انقرضت أو ربما في طريقها للانقراض هكذا علق عارف السبت (معلم) وأضاف: فالدحة أولاً تقتصر على قبائل دون غيرها، وثانياً أشعارها وفنونها غير مشهورة وغير متعارفة مثل السامري والعرضة، وطريقة إخراج الأصوات أثناء الغناء يسبب تعباً للحنجرة فهي رقصة غير عملية البتة، ناهيك عن توقف الفكرة الأساسية فيها وهي (الحاشي) وهو عبارة عن امرأة جميلة تلعب بين الصفوف باحتشام وأدب وتستر، وتستثير الحضور على التألق، واستبدلت مؤخراً (بولد) يقوم بنفس الدور، ثم تلاشت الأدوار وبقيت الفكرة.. باختصار الدحة موغلة في المحلية لذلك هي مهددة بالتلاشي تماماً باستثناء بعض مناطق الشمال مثل (القريات، طريف، سكاكا...)
هذه الفنون جزء من تراثنا
حينما سألت: هل أنت مع أو ضد انقراض هذه الفنون؟
كانت الإجابة جماعية بفرض فكرة تلاشيها باعتبارها جزءاً من تراثنا..
* محمد الأحمد (معلم) يقول: التراث هو كل نتاج الأمة من أكل وملبس وعادات وتقاليد وفنون ومعتقدات، وتراث أي أمة جزء من أصالتها وقوتها واعتزازها بشخصيتها. ومثل هذه الفنون (العرضة والسامري والدحة والربابة وشعر القلطة... وغيرها) هي فنون مهمة وتعتبر جزءاً من التراث، فمن واجبنا الحفاظ عليها ورعايتها.
* مرسال بن مطلق الشمري (معلم) نؤيد تدريس العرضة في مناهجنا، لأنها ستعرف الشباب بهذا الفن الموروثي والذي يعمق الأصالة والأخلاق العربية والإسلامية في نفوس الناشئة.
والدولة رعاها الله مارست هذا الدور الثقافي حينما خصصت مهرجان الجنادرية لعرض تراثنا على الأمم ليعرفوا تاريخ بلادنا الحاضر والذي كان سبباً في مستقبلنا الزاهر.
* بالطبع لا أحد يتمنى ان تتلاشى هذه الفنون محمد عبدالله الشيحي / دافع عن هذه الفكرة بشدة قائلاً: تلاشي هذه الفنون الشعبية المباحة يقود بالضرورة إلى تلاشي غيرها، وهذه الفنون هي جزء من التراث، وأي أمة لا تحافظ على تراثها فهي أمة ضعيفة وهزيلة، ومن يتبع تراث الأمم الأخرى يجد فيهم الحرص والتفاني على المحافظة على فنونهم وطريقة معيشتهم وأكلاتهم وملابسهم، ونحن أولى بذلك منهم، لأن تراثنا إسلامي وعربي أصيل وهو تراث مهم وتأثره يعني تأثر ثقافة هذه البلاد وهذا نذير خطر يجب ان نتوقف جميعاً ضده. ولا يعني ذلك التمسك الغبي أو غير المبرر ببعض الفنون المخالفة للعادات أو للشرع الإسلامي.. نحن نريد أن يرى العالم ثقافتنا ويعرفها ولا يتم ذلك قبل أن نعرفها نحن أولاً.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved