Monday 3rd June,200210840العددالأثنين 22 ,ربيع الاول 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

غَيْمَةُ الشِّعْرِ غَيْمَةُ الشِّعْرِ
شعر: عبدالرحمن صالح العشماوي
مع التحية إلى الصديق العزيز الأديب الأريب «حمد القاضي»

غَيْمَةُ الشعر أقبلتْ يا صديقي
من صَدَى خافقي ونَبْض عروقي
غَيْمَةُ الشعر أقبلتْ من فؤادي
تُمْطِرُ الحُبَّ والنَّدى في طريقي
أقبلتْ تُمْطِرُ الحنينَ، وفيها
صوتُ إرعادهِ وومْضُ البُروقِ
يغسل الفجرُ وجهَها حين تصحُو
ويراها مَليحةَ التَّحديقِ
وتغنِّي لها النجومُ إذا ما
فاز منها الفضاءُ بالتَّحليقِ
غيمةٌ أسعفتْ مغارسَ حبِّي
بصَبوحٍ من غَيْثِها وغَبُوقِ
أمطرتْ، والحقولُ ظَمْأَى فأَرْوَتْ
كلَّ جذعٍ، وكلَّ غصنٍ أَنيقِ
تتساقى منها الرَّياحينُ كأساً
من نداها، قَبْلَ ابتسامِ الشُّروقِ
فإذا أشرق الصَّباحُ فَسَلْها
عن شذاً عاطرٍ، وغُصنٍ وِرَيْقِ
وعن الطير شادياً في رُباها
وعن النَّحْل هائماً بالرَّحيقِ
غَيْمَةُ الشعر ظلَّلتْني صبيّاً
لا يرى غَيْرَ «تَمْرِهِ» والدَّقيقِ
لا يرى غيْرَ مَلَّةٍ ورمادٍ
وبقايا الحليبِ في «الإبريقِ»
يحسَبُ الكونَ كلَّه يتجلَّى
في حِمَى بيته الصغيِر العتيقِ
ويرى الأرضَ كلَّّها في بيوتٍ
رَسَمَ الدَّهرُ عُمْرَها بالشُّقوقِ
ويرى أبعدَ المسافاتِ فيها
من «عراء» إلى مَزارعِ «فِيْقِ»
كان واللهِ راضياً بٍغُدُوّ ٍ
ورَواحٍ ورحلةٍ وطُروقِ
كان مُسْتَشْرِفاً لآتٍ جميلٍ
وطريقٍ ممهَّدٍ مطروقِ
أين ذاكَ الصَّبيُّ؟ يا لَسؤالٍ
كم تَلقَّيْتُه بقلبٍ شفيقِ
إنَّه الآنَ يكتبُ الشِّعْرَ، يبني
منه بيتاً مُنَغَّمَ التَّنسيقِ
إنَّه الشِّعر يا صديقَ القوافي
لم تُراودْه لَوْثَةُ الإِغريقِ
إنَّه الشعر مايزال صديقاً
لقلوب العُشَّاق، أَيَّ صديقِ
يفتح البابَ للنسيمِ ويدعُو
للمروءاتِ باللِّسانِ الذَّليقِ
إنَّه الشعرُ، نَبْضُ قلبي، ويأبى
نَبْضُ قلبي وسائلَ التَّلْفيقِ
إنَّه الفكرةُ المضيئةُ ترقى
بالقوافي، واللَّحْنُ للتشويقِ
«عُرْوَةُ» الحبِّ فيه، مازال يلقى
طيفَ «عَفْراءَ» في ضِفافِ «العَقيقِ»
إنَّه الشعر، نَفْحَةٌ من شعوري
حَسَراتٌ من خاطرٍ محروقِ
إنَّه دَمْعُ أمتي، مُنْذُ بِيعَتْ
بالمَزَادِ الرَّخيصِ في كل سُوقِ
يحلفُ الشعرُ أنَّه حين يأتي
لا يبالي بما يرى من عُقوقِ
يُشعل النَّارَ في المشاعر حتّى
يجدَ القلبُ منه طعمَ الحريقِ
إنَّه الشعرُ، وردةً ودخاناً
ومُطيعاً ومُغرَماً بالمُروقِ
ومحيطاً، أمواجُه لا تبالي
بمجالِ اتّساعِه والمَضيقِ
إنَّه الشِّعرُ،واحةً من نخيلٍ
تقرأ العينُ حُسْنَها في العُذوقِ
إنَّ عِقْداً يُزيِّن الصَّدْرَ أغلى
من عقودٍ تُدَسُّ في الصندوقِ
يا أخا الأَحْرُفِ المُضيئةِ، هذي
دوحةٌ قد بَدَتْ بلا تَزويقِ
دوحةٌ فرَّعَتْ غصوناً حِساناً
وغدا جذعُها مثالَ السُّموقِ
دوحةٌ لم تزلْ تُظلِّلُ صَبّاً
يلتقي حبُّه بحزنٍ عميقِ
يعشقُ الحُسْنَ في الحياة، ويشكو
من همومٍ تقسو عليه، وضيقِ
يعبرُ الجسرَ فوقَ بحرِ شجونٍ
كلَّ يومٍ، يُذيع سرَّ غَريقِ
أهو الشعر وحدَه تتساقى
ماءَه العذبَ ظامئاتُ العروقِ
أم هو الحرف بين شعر ونَثْرٍ
وغليظٍ من الرُّؤى ورقيقِ
هل رأتْ مقلتاك طيفاً عجيباً
يَدَّني منك بَعْدَ بُعْدٍ سحيقِ
قادماً من مَدارج الشمسِ نجماً
في سمائي يُطِلُّ بعدَ خُفُوقِ
أنا يا صاحبي هنالكَ، أدعو
ذكرياتي بصوت شعري: أَفيقي
راحلٌ في مَجَال حرفي، سَفيري
فيه شعري، ورائدي ورفيقي
ويَدُ النَّثْرِ في يدي، حين يغدو
لحنُ شعري كالطائر «الفِينيقي»
عالَمٌ أيُّها الصَّديقُ فسيحٌ
يلتقي فيه سائقٌ بمَسُوقِ
تلتقي فيه ضجَّةٌ بسكونٍ
ودَياجيرُ ظُلْمَةٍ ببريقِ
عالَمٌ أيُّها الصديقُ، يُلاقي
فيه شَدْوُ الطيورِ صوتَ النَّعيقِ
بين نثري وبين عالَم شعري
صِلَةٌ أُحْكِمَتْ بحبلٍ وثيقِ
يا أخا الأَحْرُفِ المضيئةِ، تبقى
لغةُ الشعر كالصَّباحِ الطَّليقِ
يركض النَّثْرُ خَلْفَها وهي تسعى
كَمَشُوقٍ يسعى وراءَ مَشُوقِ
وتظلُّ القصيدةُ البكرُ أحلى
حين تُرْوَى، من أَلْفِ سطرٍ رَشيقِ

(*) بين قرية عراء مسقط الرأس، ووادي فيق ما يقرب من 2 كيلومتر.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved