مع بداية المباراة التي أقيمت يوم أمس الأول بين منتخبنا الوطني وبين المنتخب الألماني كنت أتفرج على مباراة بين فريقين في كرة القدم ولكني انتهيت إلى مشاهدة الفروقات في الصياغات الشخصية بين اللاعب السعودي وبين اللاعبي الأجنبي رغم أن الألمان الأقوى والأكثر خبرة والأكثر دراية إلا أنهم لعبوا على أساس أن خصمهم كان على مستوى كبير. كان الألمان يتحركون بقوة وبعنف بينما يتحرك اللاعب السعودي بهدوء وبروح هروبية. كأننا أما صراع بين قوة إنسانية وبين قوة مجهولة قادمة من كوكب آخر. فاللاعب السعودي لم يلعب في تلك المباراة كرة قدم وإنما عبَّر بكل أسف عن ثقافة شحنه بها الإعلام المحلي سنوات طويلة. ففي السنوات الماضية عاش الشاب السعودي بعيدا عن العالم. لم يكن وسط العالم ولم يتفاعل معه وإنما عاش على دعاوى خصوصيتنا، وبالتالي أصبح خارج المنافسة مع هذا العالم. القاعدة التي يعمل بها كل دول العالم بعد هذا الانفتاح في الثقافات تقول: اعمل محلياً وفكر عالمياً. بينما نعيش نحن على قاعدة مناقضة اعمل محلياً وفكر محلياً وانعزل عالمياً. أي أننا لسنا جزءاً من هذا العالم الرياضي وإنما لنا خصوصيتنا التي تفصلنا عن الآخر. لو أعدت شريط المباراة ستشاهد اللاعب السعودي منكمشاً مرعوباً بعيداً عن روح المنافسة والمقاتلة. لو دققنا قليلاً في الصراع الكروي الذي حدث سنشاهد أن الألمان وهم أقل حاجة للعنف كانوا أكثر عنفاً وأكثر صلابة يتعاملون مع الفريق السعودي بروح الندية رغم علمهم أنه أضعف منهم فنياً. بينما فريقنا لعب وكأنه يريد أن يثبت للعالم أنه بطل اللعب النظيف فاللاعب السعودي يخاف من أي احتكاك رغم أنه ليس الأضعف وليس «قليل شر» ولكن الرعب من الآخر، من الغريب يتملكه.
إذا لم تعرف الآخر ويصبح هذا الآخر جزءاً من ثقافتك المحلية لا يمكن أن تنافسه إذا لم تكن إنساناً عالمياً لا يمكن أن تدخل في صراع مع العالم بهذا الحجم. لا يمكن أن نفصل الأشياء عن سياقها.. كأس العالم ليس مجرد لعب كورة ومدرب ومصاريف معسكرات. إنها مواجهات بشرية مباشرة واحتكام وتبادل ثقافي واعتراك واثبات وجود والشيء المثير أن الشاب السعودي الأكثر سفراً من بين شباب العالم ولكنه يبقى بعيداً عن التجارب العالمية التي تمنحه صلابة المنافسة. آلاف الشباب السعودي سافروا إلى ما نيلا ولندن وباريس ولكنهم يعودون من كل هذه البلدان بلا أي معرفة عن الفلبيني أو الإنجليزي أو الفرنسي. لا يمكن أن نتعامل مع الآخر وأن ننافسه إذا لم نعرفه على المستوى الثقافي والإنساني والشخصي. عندما يذهب الشاب السعودي إلى العالم خارج بلادهم يعيشون في معسكرات كأنها مخصصة لهم. يجولون في شارع أو شارعين شهراً كاملاً ثم يعود بعد أن يتعرف على شباب سعودي مثله. نعرف كثيراً من الشباب السعودي ذهب إلى ما نيلا عشر مرات ولم يعد بكلمة فلبينية واحدة، لم يعد بتحفة أو رسمة من سياحاته أو شيء يتميز به ذلك البلد الذي سافر إليه يعود بما ذهب به وأشد. يعود بعد أن عزز لديه مفهوم العزلة والخصوصية والابتعاد عن روح المنافسة واقتحام العالم. فالهزيمة بثمانية أهداف هي هزيمة الإعلاميين والمثقفين في بلادنا. وليس هؤلاء الشباب الذين خرجوا من الملعب منكسي الرأس إلا ثمرة لثقافة العزلة، أوبعبارة أدق ثمرة لثقافة «نحن لنا خصوصيتنا» التي زرعها الإعلام المحلي طوال السنوات الماضية. الذي يريد أن يدخل في منافسة مع العالم عليه أن يعرف أن قاعدة العمل في زماننا هي «اعمل محلياً وفكر عالمياً» work locally and thind globally.
فاكس:4702164 |