كعادته كصاحب مفاجآت، يضيف شارون اليوم لتلك الافعال تحركين غير متوقعين قام بهما خلال العشرة أيام الأخيرة من خلال هجومه على الأبقار المقدسة في اليمين الإسرائيلي.
أول ورقة متهورة استخدمها شارون تمثلت في قراره بإقالة وزراء حزب شاس العقائدي من الائتلاف الحكومي بعدما رفضوا برنامجه الاقتصادي العاجل، وقد صفق لهذه الحركة الإسرائيليون العلمانيون الذين كانوا لا يحبون منذ وقت طويل الصفقات التي قدمتها الحكومات الإسرائيلية المختلفة لشراء أصوات الأحزاب الدينية اليمينية مثل شاس، وقد قال لهم شارون كفى عندما أصدر قراره بإقالة وزرائهم حزمة واحدة، مما أثار إعجاب كثير «وربما معظم» الإسرائيليين الذين سئموا القيود الدينية والحظوة التي اكتسبتها الأحزاب الدينية لنفسها عبر السنين، ولم يمض وقت طويل على قيام شارون بمهاجمة الحاخامات حتى اتخذ خطواته الأولى لمنح إسرائيل حدودا يمكن حمايتها وذلك بالسماح لوزير الدفاع بالبدء في التخطيط لإقامة سور أمني بطول الضفة الغربية على غرار السور الذي فصل إسرائيل عن قطاع غزة.
إن بناء سور لوقف الاستشهاديين قد يكون بمثابة أكثر الخطوات التي يمكن تخيلها وضوحا ولكنها واحدة من الخطوات التي رفضتها الحكومات الإسرائيلية لثلاثة عقود، وذلك لأن اليمين الإسرائيلي كان يريد الحفاظ على المطالبة بإسرائيل الكبرى أكثر من قبوله باتفاق سلام قد يدفع إسرائيل للعودة إلى حدود ما قبل 1967.
إن بناء السور مهم لأنه يعني أن ما يوجد وراء الجانب الآخر ليس ملكا لك أوعلى الأقل ليس بمقدورك حمايته، وإن ذلك مهم للغاية بالنسبة لآلاف الإسرائيليين الذين يعيشون في مستوطنات الضفة الغربية الذين قد يكونون في الجانب الآخرمن السور الأمني، وكما كتب المحلل الإسرائيلي زيف شيف في صحيفة «هاآرتس» اليومية فإنه من الواضح أن دستة من المستوطنات ستبقى في الجانب الآخر من سور الضفة الغربية.
إن شارون يعتبر استراتيجيا بدرجة أقل من كونه تكتيكيا وأنا أشك في أنه عمل بشكل كاف للتخطيط حول كيفية معالجة وضع المستوطنات على المدى البعيد، والتخلي عنها قد يؤدي إلى إشعال فتيل حرب أهلية افتراضية في إسرائيل، فالمستوطنون يميلون لأن يكونوا يمينيين لأن معظمهم وصلوا حديثا من الولايات المتحدة .
وهم يشكلون حركة سياسية قوية غالبا ما قام شارون نفسه بالجري وراءها، إلا أن شارون يعرف كذلك أن معظم الإسرائيليين لا يعيشون في المستوطنات بل يعيشون في المناطق الممتدة من تل أبيب على الساحل الشمالي والتي تعرضت مؤخرا لهجمات، وقد اعترف بأنه من واجبه حماية قلب الشعب الإسرائيلي الذي يمكنه الآن تفهمه تماما، عندما يتناول الناس غذاءهم في مطعم إسرائيلي هذه الأيام فإنهم يبدون أكثر اهتماما بالأمن من الطعام.
وعلى أية حال فإن مجلس وزراء شارون لم يصادق رسميا على إقامة السور ولكن حسب ما كتبه شيف فإن وزير الدفاع الإسرائيلي بنيامين اليعازر قام بمحادثات يوم الاثنين الماضي حول التعاقد مع مقاولين للبدء في أعمال البناء فورا.
وكما قال لي مسؤول عسكري إسرائيلي كبير آخر هذا الأسبوع فإن سور غزة الموجود حاليا قد منع على نطاق واسع تسلل الفدائيين من تلك المنطقة، ومن المحتم إقامة سور مماثل في الضفة الغربية لأنه لا يوجد في نهاية اليوم خيار آخرعدى إقامة هذا السور، وقال هذا الجنرال إن شارون يدرك حاجتنا لأن نبذل كلما في وسعنا لحماية الأرواح، وماذا عن الآثار السياسية للمستوطنين الذين يعيشون على الجانب الآخر؟
قال الجنرال إن الاعتبار الوحيد الذي يبرز الآن حول السور هو الأمن مشيرا إلى أن المستوطنات ستعالج بطريقة مختلفة.. بواسطة تدخل الجيش أو المخابرات أو أي وسيلة أخرى، وإذا استطاعت إسرائيل بناء السور فإنها ستملك حدودا يمكن الدفاع عنها، وإذاكان لديها حدود ربما ستقيم سلاما مع دولة فلسطينية على الجانب الآخر من الحدود، وهذه فكرة مازالت من أمانينا حتى الآن في الوقت الذي مازال فيه الإسرائيليون والفلسطينيون يغلون من الغضب والإحباط، فكل طرف يفتقد إلى الثقة في الآخر كشريك يمكن الاعتماد عليه، وأحيانا تدفع الأزمات الناس للتفكير فيما لم يكن متصورا في السابق مثل إقامة سور آمن على طول الضفة الغربية، فعدد الأشخاص الذين يموتون كبير مما لا يمكن معه إنكار هذه الحاجة طويلا، إلا أن حركة شارون لحماية قلب الأرض سيفتح كذلك النقاش الصعب حول ما سيحدث للمستوطنات إذا ما تأسست دولة فلسطينية.
وهذاالنقاش ينبغي أن يبدأ الآن بدون تأجيل لأنه سيشجع الفلسطينيين على أن الشعب يأخذ أخيرا هذه المسألة محمل الجد، بإقالته لبقرتين مقدستين من اليمين الإسرائيلي ومسألة الحدود ومحاباة الأحزاب العقائدية فإن شارون قد قوى موقعه مع الإسرائيليين العاديين الذين يشكلون الأغلبية الصامتة في هذا البلد، ولم يكن بمقدوره أن يفعل هذا لولا مساندة حزب العمل الذي قد يكون وعده بالمساندة إذا قام اليمين بالدفع باتجاه التصويت على سحب الثقة في الكنيست، وهكذا فإن أوراق اللعبة يعاد خلطها هذه الأيام في إسرائيل مثلما يحدث بالنسبة للسلطة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات وشارون المقامر لم يلعب بعد آخر ورقة في يده.
* عن «واشنطن بوست» خدمة الجزيرة الصحفية |