«ابن سعود والشريف حسين بن علي(1)»
أولاً: ملحوظة عامة:
هذا الموضوع سبق أن تناولته بحوث وكتابات جيدة وله مصادر مهمّة كثيرة، ومن تلك البحوث والكتابات والمصادر:
كتاب طالب وهيم، الذي أصدره مركز دراسات الخليج العربي بجامعة البصرة عام 1982م بعنوان: مملكة الحجاز «1916 1925»: دراسة في الأوضاع السياسية، ص، ص 46 74، 147 445.
بحث ترولر المنشور في المجلة التاريخية العالمية سنة 1971م بعنوان ترجمته «ابن سعود والشريف حسين: مقارنة في الأهمية خلال السنوات المبكرة من الحرب العالمية الأولى»، ص ص 627 633.
كتاب هيفاء العنقري، الذي طبع في بيروت عام 1998م، وترجمة عنوانه: الصراع من أجل السلطة في شبه الجزيرة العربية: ابن سعود والحسين وبريطانيا العظمى 1914 1924م.
كتاب فاسيلييف تاريخ العربية السعودية، الذي صدر مترجماً في موسكو عام 1986م، وبخاصة الفصل العاشر منه الذي عنوانه «نجد والحجاز إبّان الحرب العالمية الأولى»، والفصل الحادي عشر الذي تحدّث فيه عن دخول الحجاز تحت الحكم السعودي.
كتابة تركي بن سعود «علاقة بريطانيا بالملك عبدالعزيز 1902 1925م» الدارة، رجب 1406ه، ص ص 38 52.
كتابة خالد السعدون «المفاوضات التي أدّت إلى عقد معاهدة سنة 1915م بين عبدالعزيز بن سعود وبريطانيا»، الدارة، رمضان 1410ه، ص ص 150 175.
كتاب سليمان موسى صفحات مطوية: مفاوضات المعاهدة بين الشريف حسين وبريطانيا 1920 1924م، الذي صدر في الأردن عام 1977م، وكتابه الحركة العربية 1908 1924م، الذي صدر عام 1970م.
كتاب أمين سعيد أسرار الثورة العربية الكبرى ومأساة الشريف حسين، وكتابه الثورة العربية الكبرى.
كتاب الزركلي شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبدالعزيز، الذي صدر عام 1970م.
كتاب أحمد السباعي تاريخ مكة، الذي صدر عام 1385ه.
كتاب أنيس صائغ الهاشميون والثورة العربية الكبرى، الذي صدر في بيروت عام 1966م، وكتابه الهاشميون وقضية فلسطين، الذي صدر في بيروت عام 1966م.
كتاب جولدبيرج السياسة الخارجية للدولة السعودية الثالثة 1902 1918م، وهو رسالة دكتوراه عملت في جامعة هارفرد سنة 1978م.
الوثائق الهاشمية، وبخاصة المجلد السابع الصادر في الأردن عام 1996م.
الآثار الكاملة للملك عبدالله بن الحسين، الصادر في بيروت عام 1972م.
جريدة القبلة التي كانت تصدر في مكة في عهد الحسين بن علي.
كتابة فيلبي بعثة إلى نجد 1917 1918م، التي قدَّم لها تاريخياً وترجمها وعلّق عليها كاتب هذه السطور، وصدرت الطبعة الثانية منها في الرياض عام 1998م.
ومما يلفت النظر ان الدكتور إبراهيم بينما لم يرجع إلى تلك الدراسات والكتابات المتخصصة والمصادر المهمّة اعتمد، أحياناً، في مسائل تحتاج إلى اعتماد على مصادر أصلية على كتابات هي بمثابة المراجع العامة، مثل كتاب أحمد شلبي موسوعة التاريخ الإسلامي، وكتاب زاهية قدورة تاريخ العرب الحديث، وكتاب جلال يحيى العالم العربي الحديث والمعاصر.
ثانياً: ملحوظات تفصيلية:
ذكر الدكتور إبراهيم في ملخص الدراسة أن البحث يدور حول ثلاثة محاور، الأول علاقة ابن سعود ببريطانيا قبيل الحرب العالمية الأولى، وإبّانها، والثاني علاقة الشريف حسين ببريطانيا قبيل تلك الحرب وإبّانها، والثالث الدور البريطاني في الصراع بين ابن سعود والحسين بعد الحرب.
ومن الواضح أن الدكتور إبراهيم قد اتخذ موقفاً معيناً من ابن سعود يتضح في قوله «ص 150»: «تمكّن ابن سعود من القضاء على الحسين وملكه مؤدياً بذلك خدمة جليلة لبريطانيا التي كافأته على ذلك بمكافآت ما كان يحصل عليها لولا هذه الخدمة العظيمة لسياسة المستعمر البريطاني في بلاد العرب» وفي قوله:
«ص 152»: «وأخيراً يركز البحث على موقف الزعامة السعودية بصفة خاصة من الدور البريطاني المشين الذي استخدمها كأداة للقضاء على الزعامة الأخرى «حكم الحسين بن علي»، وينظر البحث نظرة مختلفة عن معظم الكتابات التي بهرتها نجاحات ابن سعود دون أن تلتفت إلى الثمن الذي دفعه العرب جميعاً بسبب طموحاته لاسترداد ملك أسرته محملة إيّاه جزءاً كبيراً من المسؤولية في الخسارة العربية التي لم يستطع العرب تعويضها إلى اليوم».
ويفهم من كلام الدكتور إبراهيم ان قضاء ابن سعود على ملك الحسين كان خدمة عظيمة لسياسة بريطانيا الاستعمارية نتج عنه مكافأته بما لم يكن ليحصل عليه لولا قيامه بها، والواقع أن تلك الدولة بعد أن أدركت ما سعت إليه من تعاون الملك الحسين معها لم تعد مهتمة بالدفاع عنه أمام من لم يوفِّق هو نفسه بتحديه، وهو الملك عبدالعزيز، على أن من المعروف أن بريطانيا قد طوَّقت حكم عبدالعزيز بتعيين اثنين من أبناء الحسين على حدود بلاده أحدهما في العراق والثاني في الأردن، ومما يلفت النظر أن الدكتور إبراهيم نفسه قال «ص 176 177»:
«إن ابن سعود أظهر اعتراضه فقط على تلقُّب الحسين بملك البلاد العربية، وانه عبَّر عن تبجيله له، وهنأه باستيلاء ابنه عبدالله على المدينة، غير أن الحسين أعطى الفرصة لأمير نجد حين شرع في الاستيلاء على الخرمة التي عدَّها هذا الأمير داخلة في نطاق الأراضي التابعة لأجداده، وغالبية سكانها من الوهابيين.. وكانت محاولة الحسين احتلال الخرمة مظهراً من مظاهر مبالغته في قوته، فقد اعتقد ان نجاحه في المدينة بداية لاستيلائه على الجزيرة العربية كلها»، ثم قال الدكتور إبراهيم: «إن بريطانيا لم تكبح جماح الحسين وتمنعه من مهاجمة أراضٍ تابعة لأمير نجد، وحينما صمم هذا الأمير على حقوقه في الخرمة حاولت أن تثنيه عن ردِّ الهجوم الحسيني عن أراض عدّها داخلة في نطاق حكمه».
وبعد الكلام السابق ألا يحق للمرء أن يسأل من الذي بدأ بإثارة الآخر أكان الحسين أم ابن سعود؟ وإضافة إلى هذا فإن المعروف أن الحسين قد منع اتباع ابن سعود سنوات من أداء الحج قبل بدء الصراع المسلّح بينهما على الحجاز.
ومما يلفت النظر أن الدكتور إبراهيم أشار إلى ان معظم الكتابات التي بهرتها نجاحات ابن سعود لم تلتفت إلى الثمن الذي دفعه العرب جميعاً لاسترداد ملك أسرته، ولنفترض أن كلام الدكتور الكريم، هنا، صحيح، فكيف ينسجم مع ما يليه مباشرة، وهو: «محمِّلة إيّاه جزءاً كبيراً من المسؤولية في الخسارة العربية التي لم يستطع العرب تعويضها إلى اليوم»، إذا كانت تلك الكتابات قد انبهرت بنجاح ابن سعود ولم تلتفت إلى الثمن المدفوع فكيف تحمِّل الكتابات ذاتها ذلك الرجل جزءاً كبيراً من المسؤولية في خسارة العرب؟
ويبقى لكل امرئ رأيه في تفسير الأحداث، لكن، هل نجاحات ابن سعود في توحيد أجزاء كبيرة من جزيرة العرب خسارة للعرب؟ وهل كان من ربح العرب وصالحهم لو أنه لم ينجح فيما نجح فيه؟ هل كان من مصلحة العرب لو ظلّت في نجد قوتان هما إمارة آل رشيد في شمالها وإمارة آل سعود في وسطها وجنوبها، وفي الحجاز حكومة للاشراف، وفي عسير إمارة لآل عائض، وفي جازان إمارة للأدارسة، وفي نجران إمارة بذاتها، وفي الأحساء والقطيف إمارة مستقلة أو تابعة لبريطانيا أو تركيا؟ إذا كان المخلصون من أبناء الأمة العربية يطمحون إلى تكوين وحدة، أو اتحاد، فيما بينهم، ويرون أن في الاتحاد، أو الوحدة، قوة فإني لا أعتقد أن من المنطقي أن يُعدَّ توحيد ما أمكن توحيده من مناطق الجزيرة العربية خسارة للعرب، ولقد ذكر الدكتور إبراهيم نفسه «ص 168» ان بريطانيا لا ترغب في رؤية جزيرة عربية موحدة، بل في رؤية جزيرة عربية ضعيفة مفككة مجزأة إلى إمارات صغيرة..».
وعلى أية حال، فلو فُرض أن الملك عبدالعزيز لم ينتزع حكم الحجاز من الشريف حسين رحمهما الله هل يتصور من له إلمام بمجريات الأحداث حينذاك أن تترك فرنسا سوريا ولبنان، وتترك بريطانيا فلسطين، وبخاصة بعد أن وضعت على العراق وشرق الأردن ابنين من أبناء الحسين مع بقاء نفوذها في هذين القطرين؟
بعد نهاية المقدمة بدأ الدكتور إبراهيم كلامه عن علاقة بريطانيا بابن سعود قبيل الحرب العالمية الأولى وإبّانها بالإشارة إلى بداية أعمال تلك الدولة ضد السفن العربية، وبخاصة سفن القواسم، وأظهر تلك الأعمال وكأنها كانت رداً على عدوان من هذه السفن، وهذا الموضوع سبق أن درسه باحثون جادون وأوضحوا حقيقته التي لا تتفق مع ما أظهره الدكتور إبراهيم. وفي طليعة هؤلاء الدكتور صالح العابد في كتابه «دور القواسم في الخليج العربي» الصادر ببغداد سنة 1976م، والشيخ الدكتور سلطان القاسمي، حاكم الشارقة، في كتابه الذي ترجمة عنوانه «خرافة القرصنة العربية في الخليج» الصادر عام 1986م.
قال الدكتور إبراهيم «ص 153»: إن فترة حكم فيصل بن تركي انتهت سنة 1868، لكنه ذكر في الهامش أن حكمه انتهى سنة 1865، وهذا هو الصحيح، ولعلَّ ما ورد في المتن كان غلطة مطبعية، وقال عن فيصل إنه «الأمير السعودي الذي نجح في إعادة ملك السعوديين في نجد والأحساء بعد زوال السيادة المصرية من جزيرة العرب».
ولعلَّ من المستحسن توضيح هذه المسألة: الواقع أن تركي بن عبدالله، والد فيصل، قد نجح في إجبار حاميات محمد علي باشا على مغادرة نجد عام 1824م، أي قبل مؤتمر لندن، الذي كان من بين قراراته سحب قوات الحاكم المصري من جزيرة العرب، بستة عشر عاماً، وكان تركي بذلك النجاح هو الذي أعاد الحكم السعودي، ولم يقتصر حكمه على نجد بمختلف أقاليمها، بل شمل منطقة الأحساء والقطيف وأكثر الجهات التي كانت تابعة للدولة السعودية الأولى في السواحل الشرقية للجزيرة العربية.
ولما اغتيل تركي بن عبدالله، سنة 1834م، نجح ابنه فيصل في القضاء على مدبِّر اغتياله، مشاري بن عبدالرحمن، بعد أربعين يوماً من ذلك الاغتيال، واستمر فيصل حاكماً حتى أنهت قوات محمد علي فترة حكمه الأولى سنة 1838م ولم يلبث خالد بن سعود، الذي كان مع تلك القوات حاكماً للمنطقة تابعاً لمحمد علي، في السلطة إلا سنتين وبضعة شهور، إذ أجلى الأمير عبدالله بن ثنيان آل سعود حامية محمد علي التي كانت تحرس خالداً في الرياض، وهرب خالد من نجد.
قال الدكتور إبراهيم «ص 153»: «أرسل مدحت باشا، عام 1871 حملة استولت على نجد والأحساء بقيادة نافذ باشا وأعلن الأتراك خلع الأسرة السعودية كلية من ولاية نجد، وأقاموا بها متصرِّفية تركية».
والواقع أن الحملة العثمانية استولت على منطقة الأحساء، وأقامت بها وجعلتها متصرِّفية، لكنها لم تصل إلى نجد، ولم تستول عليها، ولم تخلع الأسرة السعودية، بل ظلت هذه الأسرة رغم ضعفها نتيجة الخلافات الداخلية تحكم في نجد حتى قضى عليها الأمير محمد بن عبدالله بن رشيد عام 1891م، أي بعد الحملة العثمانية على الأحساء بعشرين سنة.
قال الدكتور إبراهيم «ص 154»: «إن عبدالله بن رشيد خلفه ابنه طلال، ثم جاء بعده الابن الثالث، وهو محمد بن رشيد..، الذي كان أهم ما حققه الاستيلاء على الرياض خلال فترة النزاع بين عبدالله بن فيصل وأخيه سعود».
والصحيح أن الذي خلف طلال بن عبدالله بن رشيد في الإمارة هو اخوه متعب، ثم قام ابنا طلال، بندر وبدر، بقتل عمهما متعب، وتولّى بندر الإمارة، وبعد ذلك قام محمد بن عبدالله بقتلهما مع عدد من اخوتهما وتولى الإمارة، أما استيلاء محمد بن رشيد على الرياض فلم يحدث إلا عام 1305ه/ 1887م، أي بعد وفاة سعود سنة 1291ه بأربعة عشر عاماً.
قال الدكتور إبراهيم «ص 155»: «في عام 1901 قاد الأمير «عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود» حملة أعدّها له أمير الكويت ضد آل رشيد، ولم تنجح هذه الحملة لعدم رغبة ابن سعود في نجاحها، ربما لخوفه أن تنتقل السلطة في نجد من آل رشيد إلى آل صباح»، وعزا آخر الكلام إلى فؤاد حمزة في كتاب «قلب جزيرة العرب».وبالرجوع إلى حمزة يتضح أنه قال «363»:
«كان من جرَّاء المنافسة بين مبارك الصباح وعبدالعزيز بن رشيد ان جهَّز مبارك، عام 1318هـ «1901م»، جيشاً عظيماً بلغ عشرة آلاف مقاتل، وسار هو على رأسه يرافقه الإمام عبدالرحمن آل سعود والشاب عبدالعزيز وأبناء عمومته وأقاربه من آل سعود، فلما وصل الجيش إلى الشوكي الواقعة على حافة الدهناء الغربية رأى عبدالعزيز أن قيادة الجيش لا تبعث الاطمئنان إلى النفوس في إدارتها، فعزم على عدم المجازفة والمغامرة بنفسه وبشباب آل سعود، فاستأذن من مبارك بالذهاب إلى أواسط نجد علَّه يستطيع إفادته من تلك الناحية ضد ابن رشيد. وألفى مبارك الخطة معقولة فوافق عليها، أما حملة مبارك فقد أحاق بها الفشل في المعركة التي دارت بين قواته وقوات ابن رشيد في الصريف، وأما عبدالعزيز فإنه احتل الرياض ما عدا الحصن، ولكن نتائج معركة الصريف أجبرته على الانسحاب من العارض إلى الكويت لانتظار فرصة أخرى يثب بها إلى غرضه».
وهكذا يتضح أن حمزة لم يقل: إن ابن سعود لم يرغب في نجاح الحملة التي قادها، ولم يعلل عدم رغبته في نجاحها لو كان فعلاً لم يرغب ذلك بخوفه أن تنتقل السلطة في نجد من آل رشيد إلى آل صباح، بل إن حمزة ذكر ما لا يتنافى مع الحقيقة التاريخية.
وكل من له معرفة بتاريخ نجد والكويت يعلم ان ما ذكره الدكتور إبراهيم، هنا، غير صحيح.
والواقع أنه في عام 1318ه «1901م» انطلقت حملة من الكويت إلى نجد بقيادة الشيخ مبارك بن صباح ومعه حاضرة من الكويتيين والنجديين وبادية من قبائل متعددة، ومن الشخصيات النجدية الحضرية عبدالرحمن بن فيصل وابنه عبدالعزيز وأفراد من آل مهنَّا وآل سليم، أمراء بريدة وعنيزة وذلك لمحاربة الأمير عبدالعزيز بن رشيد.
ورأت قيادة تلك الجيش عند وصوله إلى الشوكي بنجد فتح جبهات متعددة ضد ابن رشيد، فذهب عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود بقوة للاستيلاء على الرياض، وذهب آل مهنَّا إلى بريدة وآل سُليم إلى عنيزة، في حين استمر الجيش الأساسي بقيادة مبارك ومعه عبدالرحمن بن فيصل لمواجهة ابن رشيد. ودخل عبدالعزيز بن سعود الرياض، كما دخل آل مهنَّا بريدة وآل سُليم عنيزة، لكن المعركة التي دارت بين الجيش الأساسي وابن رشيد في الصريف انتهت بانتصار الأخير انتصاراً عظيماً، وما ان علم آل مهنَّا وآل سُليم بأخبار المعركة حتى عادوا مسرعين إلى الكويت، وقد أرسل عبدالرحمن بن فيصل إلى ابنه عبدالعزيز، الذي كان داخل الرياض يحاصر حامية ابن رشيد فيها، يخبره بما حدث في الصريف، ولخوف عبدالعزيز من أن يتجه إليه ابن رشيد، ويقضي عليه في الرياض، خرج منها وعاد إلى الكويت.
يتبع
(1) نشرت هذه الكتابة في العدد 105 «محرم صفر ربيع الأول 1423ه» من مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية.
|