|
طاب المجلس مع بعض الأخوة الزملاء السفراء في ليلة من ليالي الصين الباردة، ونظرت إلى رؤوس الجمع فإذا بها قد ازدانت ببقايا شعر متناثر هنا وهناك، وقد شع بياضاً بما اعتلاه من شيب غير أن البعض قد كساه بشيء من السواد ليواري بعض ذلك البياض، لكنه لم يسلم من شعرة تضيء هنا أو هناك، لتكون شاهداً على توريته للحقيقة وهيامه بشباب قد ولَّى، ومشيب قد بلغ منه مبلغه. فرحمت فيهم تلك الحسرة البادية على الوجوه التي اعتلاها بعض التجعدات من فقد ريعان الشباب، وتذكرت قول الشاعر:
فالتفت إلى ذلك الذي خضب ونصحته أن يترك تلك البقية الباقية من الشَّعر لتتلألأ على جزء من رأسه فيظهر صدقه وحقيقة أمره، حتى ينال رضى حليلته التي هي لا شك أعلم بحاله من غيرها، أمَّا إذا كان قد نوى أن يثنِّي فإن ما أخفاه من شعر أبيض، لن يكون قادراً على إخفاء غيره. ورحم الله رجلاً عرف قدر نفسه. وذكرت لهم أن رجلاً أشمط مر بامرأة عجيبة في الجمال فقال: يا هذه إن كان لك زوج فبارك الله لك فيه، وإلا فأعلمينا فقالت: كأنك تخطبني قال: نعم فقالت: لكن هناك شيب في رأسي، فما لبث أن ثنى عنان دابته. فقالت: على رسلك ، فلا والله ما بلغت عشرين سنة، ولا رأيت في رأسي شعرة بيضاء، ولكنني أحببت أن أعلمك أني أكره منك ما تكره مني فأنشد:
ويقول الشاعر:
يقال أن عبدالمطلب بن هاشم وفد على سيف بن ذي يزن وقد بدا الشيب في شعره فقال له سيف: لو خضبت شعرك، فراق له ذلك ففعل عندما عاد إلى مكة، فلما رأته امرأته نبيله أعجبها منظره وقالت له: ما أحسن هذا لو دام فقال لها:
وقال آخر:
وبعد هذا التفت إلى معشر السفراء بعد أن رأيت أنني كدمتهم في مكدم، وأنهم يرون في كلامي غير ما يبتغون التفت إليهم وقلت لهم باعثاً فيهم الأمل: لكن بنات حواء في زماننا هذا، قد سلكن درباً آخر، ورأين في المشيب غير ما رأى أسلافهن فهن يرون فيه العقل والنضج والتبصر وقال الشاعر:
فقد أصبحن يرين برأي البعيد أن في العقل والتبصر مع المشيب أكثر مما في التسرع والاندفاع مع الشباب، فأصبح المخبر لديهن خير من المظهر كما قد يكون الشيب أماناً للمرأة على زوجها، حتى لا يغريه شبابه للنظر لسواها، فالشباب لدى الرجال مدعاة لطلب المزيد، ولهذا فهي لا تحتاج إلى أن ترسل عليه رقيباً يتبع أثره، أينما حل كما قال الشاعر:
نعم ليهنأ من شاب فالغواني لابد لهن من العودة لصوت العقل والنظر إلى المشيب فإنه دلالة النضوج والسمو، وهنَّ له طالبات. طالما أن لدى الحبيب ما يكفي من المال الذي يرينه الأداة الناجعة للزهو والتعالي على أقرانهن، وهذا هو بيت القصيد عند بعض من بنات حواء. |
[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الرئيسية]
|