أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Monday 16th October,2000العدد:10245الطبعةالاولـيالأثنين 19 ,رجب 1421

مقـالات

الأمير عبدالله والسلطة الرابعة
التأصيل الرسمي لعلاقة الصحافة بالأجهزة التنفيذية
د, علي بن شويل القرني
كنت قد أشرت إلى تشكل خطاب إعلامي سعودي جديد في بحث قدمته ضمن فعاليات مؤتمر المملكة العربية السعودية في مئة عام والذي رعاه خادم الحرمين الشريفين وحضره نيابة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض خلال الاحتفالات بالمئوية,, كما قدمت بحثا آخر في نفس الإطار العام إلى مؤتمر جمعية الاتصال الدولية الذي عقد هذا الصيف بالمكسيك,, وحددت في هذين البحثين ان المملكة العربية السعودية وخلال مئة عام ومنذ عهد التأسيس الاول عايشت أربعة خطابات كبرى، بدءا من خطاب التوحيد الذي وضعه الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه ومرورا بالخطاب التضامني والخطاب التنموي إلى ان وصلنا في المرحلة الحالية إلى الخطاب الذي أسميته بالخطاب الشوروي,, وذكرت أن الملك فهد يحفظه الله هو الذي أرسى قواعد هذا الخطاب وأطلقه ضمن تأسيسات إدارية كبرى بوضع النظام الأساسي للحكم ونظام مجلس الشورى ونظام مجلس الوزراء ونطام المناطق,, ومنذ بداية هذه الأنظمة (1413ه 1993م) والمملكة تعيش بداية تشكل جديد في خطاب إعلامي متطور وفق مستجدات التقنية الاتصالية والتعايش مع متغيرات الاحداث والنظام العالمي الجديد,, وأوردت عددا من الأمثلة التي تشير إلى حدوث تغيير في هيكلية العمل الإعلامي ووظائفه الجديدة,, ومن بينها السرعة التي يتم فيها إعلان الخبر المحلي والتعليق على الحدث الدولي دون الانتظار حتى توقيت انعقادات المجالس الرسمية أو الانتهاء من تحقيقات المسائل الأمنية,, وهذا فعلا ما حدث حيث كان صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية ورئيس المجلس الأعلى للإعلام سباقا في الإعلان عن الأحداث والحوادث الهامة التي نواجهها كمجتمع ومواطنين ورجال أمن في الداخل والخارج,, وبهذا التحرك الإعلامي أخذت تفوت على وسائل الإعلام الخارجية المغرضة فرصة الاصطياد في المياه العكرة والتشويه على صورة المملكة الخارجية,, وبالتالي تبددت الإشاعات,, ونحن نعرف ان ركني انتشار الإشاعة هما (1) الأهمية التي يتصف بها الحدث والموضوع بالنسبة للمتلقي.
(2) والغموض الذي يكتنف الحدث بعدم توفر معلومات كافية عن هذا الحدث أو الموضوع,, وفي ظل وجود الشرط الأول (الأهمية) وعدم توفر الثاني (المعلومات) تنمو الإشاعات وتختلق الأقاويل وتبتدع وتزيع الأحداث كيفما أراد المغرضون,.
والحمد لله فقد حدث هذا التحول في وسائل إعلامنا,, ونحن نعيش اليوم ممارسة لرؤية إعلامية جديدة غير مسبوقة تطلبتها المرحلة الحالية وفرضتها التقنية الاتصالية الجديدة,, وها هي الإذاعة والتلفزيون والصحافة في المملكة تتناول موضوعات وأحداثاً وقضايا كبرى وبوعي كامل لمسؤولياتها الوطنية وبمنهجيات مهنية عالية في التعامل مع الموضوعات الداخلية والخارجية,.
والنقطة الأساسية الأخرى في محورية التغيير هي ما حدث من عملية فك ارتباط بين الخبر والرأي,, فبعد ان كانا متلازمين بحيث لا يتم الإعلان عن الحدث إلا بعد استكمال التحقيقات أو بعد بلورة الرأي الرسمي والذي قد يستغرق عدة أيام في الإعلان عن الحدث فور وقوعه, ثم استكمال التحقيقات المطلوبة والإعلان عنها في حينها,, وهذا ما حدث فعلا في أحداث متفرقة من بينها تفجيرات العليا والخبر، وبعض الأحداث الخاصة بمواسم الحج,, وهذا يعد تحولا نوعيا في التوجهات الإعلامية للخطاب الإعلامي السعودي الجديد,, وكذلك فنحن نطالع البرامج المباشرة الحية عبر الإذاعة والتلفزيون متناولة مختلف الموضوعات والهموم الوطنية والاجتماعية والإنسانية,, فقنواتنا الإذاعية والتلفزيونية لم تعد ملكا فقط لنا كسعوديين، بل تعدت ذلك إلى حضورها وتواجدها في كل بيت عربي ومسلم,, ومن هنا فرضت علينا التقنية الاتصالية ان نخاطب العالم بلغة جديدة ونتفهم أدوارا لم نكن بالضرورة نقوم بها نحن الإعلاميين، وتطرح علينا هموما دولية نحتاج إلى تناولها بلغة وعقلية متنورة.
وكان المشهد الإعلامي بحاجة إلى تأصيل رسمي يضع النقاط على الحروف ويحدد المسؤوليات والأدوار، ويؤكد هذا التوجه الإعلامي الجديد الذي بدأ منذ سنوات,, وكان ربما يحتاج إلى شواهد وخلفيات يتأسس عليها,, فكان خطاب صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد يحفظه الله عند وصوله إلى منطقة جازان خلال الأيام الماضية,, وحدد فيه العلاقة بين الصحافة والدولة، ورسم فيه معالم الإطار العام وحدود ومسؤوليات الصحافة وعلاقتها بالأجهزة التنفيذية في الدولة,, وأشار سموه تحديدا بأن الصحافة هي عين الدولة ولسان للمواطن، يجب ان تتناول القضايا الوطنية بكل أمانة ومسؤولية وبطريقة موضوعية وواقعية، وبما يخدم في نهاية المطاف حياة المواطن وعيشه ورغده وأمنه,.
وكان تصريح الأمير عبدالله على خلفية التغطية الصحافية التي قامت بها الصحافة السعودية لحمى الوادي المتصدع بمنطقة جازان,, حيث حفلت صحافتنا بتغطيات واسعة وتحليلات مكثفة وآراء واتجاهات عامة ومتخصصة حيال الموضوع ذاته، والمسؤوليات المناطة بالأجهزة التنفيذية، ودور المواطن من خلال توعيته وتبصيره بما ينبغي عمله وإجرائه علاجيا أو وقائيا,, والملاحظ أن سمو الأمير قد تابع النقاش الحاد الذي كان يدور بين الأجهزة التنفيذية من ناحية ووسائل الإعلام من ناحية أخرى,, وكيف ان هذه الأجهزة حاولت إيقاف أوتقليل حجم التغطيات، أو توجيهها إلى مسارات أخرى,, مما أوجد مناخا غير صحي بين الطرفين: الإعلام من ناحية، والمؤسسات الحكومية ذات العلاقة بالموضوع من ناحية أ رى,, ومن هنا جاء التصريح الكريم لسمو الأمير عبدالله متفقا مع النهج الذي بدأه خادم الحرمين الشريفين في مرحلة التطور النوعي للمؤسسات الإدارية في المملكة,, وقد أكد خطاب الأمير عبدالله طبيعة العلاقة التي تربط الجهاز التنفيذي الحكومي مع الوسائل الإعلامية المختلفة,, وهذه النقطة بالتحديد هى جوهرية وبالغة الأهمية ليس في مجتمعنا فحسب، بل في كافة المجتمعات الأخرى,, وتصب في إطار دور الإعلام في المجتمع.
وكما نعلم ان كل مجتمع تحكمه ثلاث سلطات رئيسية، هي (1) السلطة القضائية التي تمثلها المؤسسات الدستورية القضائية من المحاكم العليا وغيرها من تسميات لهيئات تختلف من مجتمع إلى آخر، (2) والسلطة التشريعية (التنظيمية) التي تمثلها البرلمانات والمجالس النيابية ومجالس الشورى في المجتمعات الإسلامية، (3) والسلطة التنفيذية التي تمثلها الحكومات والأجهزة التنفيذية من وزارات وإدارات وهيئات تدير الأعمال الحياتية للمواطنين,, ويضاف إلى هذه السلطات الثلاث سلطة رابعة اختصت بها الصحافة والإعلام,, ومن هنا جاءت تسمية الصحافة والإعلام بالسلطة الرابعة في المجتمعات,,ووجود هذه السلطة في المجتمع يؤهل الصحافة (والإعلام) لأن تعكس آراء واتجاهات الرأي العام في المجتمع، وبما يمثله ذلك من أهمية لدى السلطة التنفيذية بشكل خاص,, ولا شك ان دور الصحافة والإعلام يختلف بين مجتمع وآخر، وتتحدد أدواره ومسؤولياته حسب الصفة والاختصاص التي تضفي شرعية على دور ومسؤوليات وأعباء المؤسسات الإعلامية,, ويمكن ان نتبين من خلال البحوث والدراسات التي نجريها على محتوى الصحافة السعودية ومن خلال المتابعات لسير التغطية الإعلامية لمشكلة مرض الوادي المتصدع كنموذج يمكن القول بأن الصحافة تقوم بدور حيوي وأساسي في نقل الصورة والوضع الذي يمثل خللا أو مشكلة أو شذوذا عن قاعدة الاعتيادية والممارسة التنفيذية المطلوبة في الموقف أو الحالة أو الأداء.
والمتمعن في التأصيل الرسمي الذي وضعه سمو ولي العهد أن سموه أراد ان تتأنى الأجهزة التنفيذية قبل الحكم على نوايا وممارسات الصحافة,, فالصحافة في نهاية المطاف ليست إلا عينا للدولة ولسانا للمواطن تعبر عن همومه وآرائه وتنقلها إلى الأجهزة التنفيذية في الدولة، بهدف أن يتحقق بسببها إصلاح شأن أو تعديل وضع أو تطوير مرفق أو حل مشكلة,, ولربما ما كنا نستشفه من خلال هذا التصريح ان الجهاز التنفيذي سواء أكان وزارة الصحة أو وزارة الزراعة أو وزارة الشؤون البلدية والقروية أو غيرها من الوزارات يجب ان يتحمل مسؤوليته كاملة أمام الدولة والرأي العام,, وعند حدوث الخطأ أو التقصير تكون الشجاعة والجرأة ورحابة الصدر وسعة الأفق قاعدة لتحمل المسؤولية وتقبل اللوم والاعتراف بالتقصير سواء على مستوى الوزير الذي يمثل السلطة التنفيذية المتخصصة العليا أو من هو أقل منه في سلم الإدارات المعنية,.
ويمكن في هذا السياق استرجاع حادث واحد لأحد المثقفين البارزين عندما كان يجول بقلمه في الصحافة المحلية، مناديا بضرورة تفعيل دور الصحافة في المجتمع، وكيف يجب أن تمارس مسؤولياتها باعطاء مساحات للنقد الذي تتوجه به للأجهزة التنفيذية,, وتدور الأيام ويصبح نفس الشخص امام مسؤولية وزارية في مرفق خدمي مهم للناس والمجتمع,, وعندما سمحت بعض الصحف بنقد هذا الجهاز نتيجة ضعف الخدمات المقدمة أو تأخرها ثار صديقنا مثقف الأمس ومسؤول اليوم على الصحافة وأخذ يعلن سخطه الكامل على الكتابات التي كان يعتقد بأنها ضده شخصيا وضد جهازه,, بل تعدى ذلك بأن حاول مع وزارة الإعلام بأن توقف هذا الكاتب أو ذلك المقال أو تلك الحملات الصحافية,, ولحسن الحظ لم تستجب الوزارة إلى تلك الرغبات الشخصية مدعمة موقفها بتوجيهات قيادية رسمية بضرورة قيام الصحافة بدورها الوطني الكامل,.
وبخصوص موضوع حمى الوادي المتصدع فقد يكون بعض هذا أو جزء من هذا قد حدث وتصدعت العلاقات بين بعض الأجهزة التنفيذية المعنية وبين بعض الصحف التي كانت رائدة في حملتها التوعوية / التنويرية / الواقعية/ الموضوعية بخصوص خطورة الوضع ونقل الإحساس بالخطورة إلى مستوى الرأي العام,.
وأحيانا ونحن نقرأ التفاصيل في حادث الوادي المتصدع ندرك أن الانفعال كان يسود التصريحات والتشنج كان يسيطر على أداء الجهاز التنفيذي أمام مساءلة الصحافة حول المسؤولية والخطأ الذي يكون قد حدث عمدا أو إهمالا أو دون قصد,, ومن هنا جاء تصريح سموولي العهد ليضع النقاط على الحروف ويحدد المسؤوليات والأدوار ,, فالصحافة تضع تقاريرها بواقعية ومسؤولية,, والأجهزة التنفيذية تتقبل نقد الصحافة ومساءلة المواطن,.

أعلـىالصفحةرجوع



















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved